في عام 1948، أدار محام "جمهوري" يُدعى "هرب براونيل" الحملة الانتخابية لمنصب الرئاسة لـ"توماس ديوي". وعندما كان "دوايت أيزنهاور" لا يزال في المرحلة المبكرة من الترشح لانتخابات الرئاسة عام 1952، فإن "براونيل" طار إلى باريس كي يخبره عن الطريقة المناسبة لتنظيم حملته الانتخابية، وكيف يحدد المواقيت الزمنية، وجداول الفعاليات، وكيف ينظم الفريق الذي سيدير تلك الحملة، والمواقف التي سيتخذها حيال المسائل الحيوية مثل الضمان الاجتماعي والميزانية. وساعد "براونيل" على جمع المندوبين اللازمين لـ"أيزنهاور" في مؤتمر عام 1952 الانتخابي، كما ساعد في اختيار "ريتشارد نيكسون" كي يكون مرشحاً لرئيس الجمهورية. وبعد أن أصبح أيزنهاور رئيساً قام بتعيين "براونيل" وزيراً للعدل كمكافأة له. حسب الحجة التي تتردد حالياً، فإن طريقة أيزنهاور هي أسوأ الطرق التي يمكن بها اختيار وزير للعدل. فالإجماع في أميركا- في هذه الأيام التي تلي عهد "جونزاليس"- هو أن وزير العدل يجب أن يكون شخصاً غير سياسي، يتمتع بالحيادية التامة والاستقلالية الصلبة. ليس القصد من ذلك التقليل من شأن "براونيل"، الذي كان رجلاً جيداً للغاية. فهو الذي قدم مشروع قانون الحقوق المدنية الذي قنن حقوق التصويت، وتضمن إجراءاتٍ صارمةً ضد التمييز العنصري. كما أنه الرجل الذي تصدى للسيناتور "جون ماكارثي" عندما حاول الاتصال بطاقم الرئاسة، والوصول إلى سجلات البيت الأبيض. لم تكن خلفية "براونيل" السياسية تشكل عائقاً بل يمكن القول إنها قد لعبت دوراً حيوياً في نجاحه. فدور أي وزير للعدل هو أن يكون ممثلاً للفرع التنفيذي في منافسات السلطة ضد الكونجرس والمحاكم. والقيام بهذا الدور بفاعلية يتطلب مهاراتٍ وخبراتٍ سياسيةً بلا شك. وفي الحقيقة، إننا إذا بحثنا في تاريخ أميركا عن وزراء عدل ناجحين (لم يكن هناك الكثير منهم)، فإننا سنجد أن مثل هؤلاء الوزراء كانوا عادة ما يمتلكون مؤهلين رئيسيين: الأول، كان هؤلاء الوزراء يتمتعون بخبرة طويلة في الشؤون السياسية والأساليب والمناورات المتبعة في واشنطن، كما كانوا يتمتعون بدائرة من العلاقات الشخصية التي لاغنى عنها للمشاركة في الحكم. ولم يكن هؤلاء الرجال بحاجة لاكتشاف الطريقة التي يدفعون بها السياسات خلال آلة النظام، لأن خبرتهم الطويلة كانت تجعلهم يعرفون ذلك بالبديهة. وهؤلاء الوزراء عندما كانوا يصلون إلى مناصبهم بعد أن يكوِّنوا معارفَ واتصالاتٍ في واشنطن تمكنهم من ممارسة السياسة دون حاجة إلى اللجوء إلى أساليب حزبية مدمرة. المؤهل الثاني: أن مثل هؤلاء الوزراء كانوا يتمتعون بمكانة مرموقة في الأوساط القانونية، وبذلك النوع من القدرات العقلية الفطرية التي تعتبر مدخلاً ضرورياً لاكتساب الاحترام في هذه المهنة. بالإضافة إلى ذلك، فإنهم كانوا يأتون إلى مناصبهم وقد تزودوا بذلك النوع من سداد الرأي واللياقة والشعور بالاحترام لأراء النخبة القانونية في البلاد. وخير نموذج تنطبق عليه هذه الصفات المثالية، والرجل الذي يشير إليه الجميع باعتباره أفضل من تولى منصب وزير العدل في أميركا، هو" إدوارد ليفي" الذي خدم في عهد "جيرالد فورد"، والذي كان أستاذاً قانونياً محترماً يتمتع بأسلوب في القيادة يغلب عليه الحياد والنزاهة والوقار، كما أنه كان الرجل الذي جلب محامين في غاية الذكاء والألمعية للخدمة معه في وزارة العدل. كان الرجل بالإضافة لذلك إدارياً حاذقاً واسع الخبرة، ومقاتلاً شرساً دافع عن الصلاحيات التنفيذية باقتدار وبسالة، كما قاوم فكرة تعيين المدعين العامين عن طريق المحاكم، مصراً على أن الفرع التنفيذي يجب أن يكون هو المسؤول عن تعيينهم. علاوة على كل ذلك كله، كان الرجل- كما يقول أستاذ القانون في جامعة شيكاغو "فيل كيرلاند"- دافئ المشاعر، حسن التدبير. النقطة الأهم فيما يتعلق باختيار وزراء العدل، أن معظم النماذج الناجحة كانت تأتي من داخل المؤسسة لا من خارجها، أي أنهم كانوا من النوع الذي التحق بالعمل منذ البداية بمؤسسات رصينة، ثم شقوا طريقهم حسب تسلسلها الهرمي، حتى وصلوا إلى أعلى درجاتها. ليس هذا ما يحدث اليوم، حيث تسود المشاعر المناوئة للمؤسسة بصور ومظاهر شتى، وحيث نرى الكل وهو يسعى إلى الهجوم على واشنطن. فهناك سياسات "يسارية" مناوئة للمؤسسة انحدرت إلينا من ستينات القرن الماضي، وهناك نسخة يمينية من تلك السياسات المناوئة للمؤسسة تتمثل في إيمان إدارة بوش بأن واشنطن ملوثة حتى النخاع، وأن الطريقة المثلى لضمان اختيار أشخاص يتمتعون بالفضيلة والرشاد، هو أن يتم اختيار مثل هؤلاء الأشخاص من خارج المؤسسة، ويا حبذا لو كانوا من الذين يتحدثون بلكنة "تكساسية" خنفاء. إن المشاعر المناوئة للمؤسسة كانت لها ميزة فيما مضى، ولكنها وصلت الآن إلى حد السخف... و"ألبيرتو جونزاليس" كان يمثل الكثير من نقائصها. فالرجل كان يفتقر إلى الخبرة، وإلى المكانة المهنية المرموقة، وإلى تلك المعرفة الوثيقة التي يتميز بها أبناء المؤسسة، والتي لاغنى عنها لأي وزير عدل جيد. الأكثر من ذلك أنه كان عضواً في إدارة تكنُّ عداءً غير مبرر لرأي النخب، حتى عندما تكون تلك النخب على حق. لقد خرج الرجل من منصبه لانعدام كفاءته خروجاً قد يراه البعض معبراً عن نمط معين في الإدارة. وإذا ما كانت حرب فيتنام قد شوهت سمعة المؤسسة القديمة التي تتكون من الحكماء والتي يتم اختيار أعضائها من بين أفضل الرجال وأذكاهم، فإن تجربة السنوات القليلة الماضية كشفت ادعاءات رجل من خارج المؤسسة و"مناوئ لواشنطن". ديفيد بروكس كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"