لماذا تتمكن الدول في أغلب الحالات، من توصيل ما تشاء من معلومات حساسة، إلى الدول الأخرى، من خلال الدبلوماسية؟ ولماذا تستخدم الدول الدبلوماسية عادة بطريقة أمينة رغم وجود العديد من الدوافع التي قد تغريها بالتحايل والخداع في التعامل مع الآخرين من أجل تحقيق أهدافها؟ وكيف تتمكن الدول من تجنب الدخول في مواجهات عسكرية، أو درء خطر الهجوم عليها باستخدام التهديدات اللفظية فقط في حل ما ينشأ من نزاعات بينها وبين الآخرين، دونما حاجة للجوء للسلاح؟ هذه الأسئلة وغيرها تطرحها "آن. ئي. سارتوري" الأستاذة المساعدة للعلوم السياسية بجامعة "نورث إيسترن" الأميركية، في كتابها الجديد "الردع من خلال الدبلوماسية"، والذي يضم بين دفتيه طائفة من القضايا الرئيسية في الحقل الدبلوماسي؛ كمصداقية الدول، وقدرتها على المساومة في حالة الأزمات، وسمعة الدول، والرسائل الدبلوماسية المعلنة والمضمرة التي تحتاج توصيلها للآخرين، والأدوات التي تستخدمها في سبيل ذلك... وترى المؤلفة أنه رغم أن نظرية العلاقات الدولية متشائمة إلى حد كبير بشأن الإمكانيات التي تنطوي عليها الدبلوماسية الفعالة، فإن قادة الدول المختلفة ينفقون -مع ذلك- وقتاً وجهداً كبيرين في محاولة حل النزاعات والصراعات التي يجدون أنفسهم منخرطين فيها، من خلال البيانات العلنية والمفاوضات الدبلوماسية، علنية كانت أم سرية. وتعارض المؤلفة كل المفاهيم التقليدية عن الردع، وذلك من خلال تحليل لتلك المفاهيم كشكل من أشكال المباحثات، باستخدام الأساليب الإحصائية المتقدمة، إضافة إلى أدوات التحليل التقليدية بالطبع، لتصل من ذلك إلى استنتاجات مقنعة، حول فعالية الدبلوماسية، وهي استنتاجات لا يفوت الكاتبة أن تشير إلى أنها أكثر تفاؤلاً بكثير من تلك التي تنطوي عليها نظرية العلاقات الدولية. وترى "آن سارتوري" أن سبب نجاح الدبلوماسية في الأساس يرجع إلى كونها أداة قيمة للغاية في جوهرها، وأن الدول المختلفة تتجشم عناء استخدام الدبلوماسية بوسائل أمينة ومستقيمة معظم الوقت، وفي معظم الحالات، لأنها تدرك أن قيامها بذلك يتيح لها الفرصة لاكتساب شهرة في الحقل الدولي كدولة يتصف سلوكها بالأمانة والاستقامة، مما يكسبها مصداقية كبيرة عندما تتفاوض في أي شأن من الشؤون، ويجعلها أكثر قدرة، على حل النزاعات المستقبلية من خلال الدبلوماسية ودونما حاجة لاستخدام القوة، أو حتى التلويح بها، لأن الدول الأخرى ستأخذ ما تقوله هذه الدولة في أي قضية من القضايا على محمل الجد، لأنها تعرف من واقع التجربة، أنها ستنجز ما وعدت به و تفي بما اتفقت عليه مع الآخرين، وأنه لا حاجة تدعوها في مثل هذه الحالة لاستخدام القوة لحل الخلافات والنزاعات طالما أن الأداة الدبلوماسية تحقق المبتغى. وتطرح الكاتبة أيضاً فكرةً مؤداها أن بعض الدول تلجأ، من أجل الحفاظ على فعالية أدواتها الدبلوماسية، إلى الامتثال لمطالب ودعاوى الآخرين أحياناً، رغم معرفتها بأن تلك الدعاوى مبالغ فيها، وأنه كان يمكنها الوصول إلى ما تريده من خلال استخدام وسائل الخداع والتمويه التي ينظر إليها الكثيرون كأداة لا تخلو منها جعبة الدبلوماسي. وتذهب المؤلفة أيضاً إلى أن الدول تعتاد على التعامل مع القضايا المختلفة بمرور الوقت لأنها تكتسب خبرة في ذلك نتيجة لتكرار الممارسة... فتدرك الدولة مثلاً أن حل مسألة أو قضية ما، يتطلب اتخاذ خطوات معينة -بشكل شبه آلي- مع إجراء ما يلزم من تغييرات طفيفة حسب البيئة المحيطة. كما ترى كذلك أن الدول تنجح في الوصول إلى توافقات من خلال الدبلوماسية على قضايا بعينها دون غيرها لأنها -أي القضايا- تكون مهمة في حد ذاتها، مما يستدعي من تلك الدول بذل مزيد من الجهد والجدية وإتاحة الوقت الكافي لها بما يسمح في النهاية بالتوصل إلى حل أو توافق بشأنها مع الدول الأخرى. أما عندما تكون القضايا أو المسائل التي تتفاوض الدولة بشأنها ليست بذات أهمية تذكر، فإن الدولة المعنية تكون أكثر استعداداً لتقديم تنازلات بشأنها للدولة أو الدول الأخرى، لأن مثل هذه التنازلات يؤدي إلى إكساب تلك الدولة سمعة طيبة كدولة لديها الاستعداد لتقديم التنازلات، وإبداء المرونة في المفاوضات، والاستعداد أيضاً للعطاء مقابل الأخذ، وكلها من العناصر اللازمة لأي دبلوماسية ناجحة. ويختلف بعض ما تذهب إليه الكاتبة مع النظريات التقليدية في علم العلاقات الدولية، وذلك من خلال قولها مثلاً: إن الدولة، وبدلاً من التنازع مع الآخرين دوماً بشأن مسائل غير ذات خطر، من أجل إظهار أنها دولة قوية الشكيمة صعبة المراس، تستطيع أن تجعل أقوالها وبياناتها العلنية وتهديداتها اللفظية أكثر مصداقية لدى الآخرين، من خلال التنازل لهم أحياناً في المنازعات الصغيرة الأقل أهمية، بدلاً من الإصرار على أنها لن تتنازل عن أي شيء لإظهار نفسها في أعين الآخرين بمظهر الدولة التي لا تحيد قيد أنملة عن مطالبها. ما نود قوله في نهاية هذا العرض هو أن كتاب الردع من خلال الدبلوماسية هو كتاب مفيد وممتع في آن، قدمت فيه مؤلفته أفكاراً وطروحات جديدة، تتناقض في بعض الأحيان مع الكثير من مبادئ علم العلاقات الدولية الدبلوماسية من خلال أسلوب ميسر سهل الفهم والاستيعاب. سعيد كامل الكتاب: الردع من خلال الدبلوماسية المؤلف: آن ئي. ساتوري الناشر: برينستون يونيفرستي برس تاريخ النشر: 2007