تقول نكتة كردية إن أحدهم اعتاد أن يشتري أحذية أضيق من مقاسه، وعندما سألوه لماذا يفعل ذلك؟! أجاب: "لو تدرون كيف أرتاح لمّا انزع الحذاء"! هذا شعوري عندما انتهيت من تقرير "العراق عام 2010" الذي التزمت بقراءته كاملاً، والتعليق على هوامشه. يتضمن التقرير ثلاثة سيناريوهات متناوبة عن "العراق عام 2010" ناقشها علماء سياسة أميركيون في "مركز الشؤون العالمية" في "جامعة نيويورك" بالولايات المتحدة. عنوان السيناريو الأول "دكتاتورية الوحدة الوطنية: عراق مستقر في منطقة مستقرة"، وعنوان السيناريو الثاني "اضطراب مُكتنَف: عراق غير مستقر ومنطقة مستقرة"، والثالث "عدوى ضارة: عراق غير مستقر ومنطقة غير مستقرة". ويرجح السيناريو الأول أن يكون الدكتاتور الوطني القادر على توحيد العراقيين عسكريا شيعيا، ويتوقع أن ترحب به الولايات المتحدة، لأنه قد يُسهل لها عملية الانسحاب من العراق. ولن تعترض إيران على حاكم شيعي في العراق. ويتوقع السيناريو ألا ترحب المملكة العربية السعودية بحاكم موالٍ لإيران في بغداد، إلاّ أنها قد تستجيب لضغط واشنطن لقبوله إذا ساعد ذلك على مواجهة خطر الإرهاب، وحماية حدودها مع العراق. "وهذا يمثل الطريق الوحيد المعقول لتحقيق الاستقرار لكل من العراق والمنطقة"، حسب البروفيسور "مايكل أوبنهايمر"، رئيس فريق وضع السيناريوهات. ويعترف أوبنهايمر بأن قيام حكم دكتاتوري يمثل "فشل دمقرطة العراق، على المدى القصير على الأقل". ويذكر أن الولايات المتحدة نفسها تخلّت منذ أمد عن مشروع بناء الديمقراطية، وتحول الاتجاه السياسي الأميركي تماماً عن فكرة البقاء في العراق فترة طويلة. وينصح السيناريو بألا تتدخل واشنطن في موضوع اختيار الدكتاتور الوطني "لأن سجلها في اختيار الحكام وتنصيبهم سيئ". ويؤكد على أهمية ظهوره بشكل مستقل، ومفاجئ ربما، عن طريق انقلاب مثلاً، ويدعو إلى أن يتجنب "البيت الأبيض" الإعلان عن ترحيبه بالدكتاتور العراقي الوطني، لأن ذلك يؤدي إلى عكس المطلوب، ويثير مشاعر العراقيين الوطنية ضده. ويعتبرُ واضعو السيناريو المشاعر الوطنية العامل الأكبر في معادلة قيام نظام حكم يوحد العراقيين، ويتطلعون إلى أن يظهر الحاكم الوطني قدراً من العداء الكلامي لواشنطن. وعلى الولايات المتحدة تحمل هذا العداء، "فهو ضروري لسحب مؤيدي القاعدة السنيّة في العراق"، والتي يعتبرونها "الجماعة الوحيدة القادرة على إلحاق ضرر حقيقي بالولايات المتحدة". ويؤكد واضعو السيناريو على أهمية تحويل الجيش العراقي إلى قوة تمثل الدولة كلها، وأن يكون الجيش قوياً بما فيه الكفاية لهندسة الطريق المرجح للدكتاتور الوطني لاستلام السلطة عن طريق الانقلاب. ويذكرون أن مغادرة القوات الأميركية أمر ضروري لظهور الدكتاتور الوطني القادر على توحيد العراقيين. وتصبح آنذاك علاقة واشنطن بالجيش العراقي بالغة الأهمية، حيث سيكون عليها تزويد الدكتاتور الوطني بالدعم العسكري والمعدات الضرورية لمواجهة الإرهابيين، وتوفير البيئة المناسبة لظهوره، وذلك بحفظ التوازنات داخل العراق، ومع الدول الأخرى في المنطقة. وقد يصبح الجيش العراقي مركز النفوذ المتبقي لواشنطن بعد سحب قواتها. يقول مثل سومري يردده العراقيون منذ أكثر من خمسة آلاف عام: "إذا كذبت ثم قلت الحقيقة، فإن الحقيقة ستُعتبر كذباً". ويحفلُ سجل "مركز الشؤون العالمية" وأعضاء الفريق الذي وضع السيناريوهات، بعقود العمل لحساب وزارتي الخارجية والدفاع و"مجلس الأمن القومي" و"وكالة المخابرات المركزية" وغيرها من المؤسسات المسؤولة عن تمرير كذبة "أسلحة الدمار الشامل العراقية". وقد بذلتُ جهداً في مقاومة مشاعر الاشمئزاز من السيناريوهات التي وضعها أكاديميون وباحثون من جامعات "كولومبيا" و"نيويورك" و"فيرمونت" و"معهد بروكينجز" و"مجلس الشؤون الخارجية"، والذين شاركوا في الاجتماعات والمناقشات التي مهّدت لغزو العراق. ولا يخجل "ستيفن كوك" الذي يشغل موقعاً أكاديمياً مرموقاً في "مجلس الشؤون الخارجية" من الاعتراف في مقدمة التقرير بأنه "يلهو بين وقت وآخر" بوضع سيناريوهات تتراوح بين إنزال العلم العراقي من مقر "الأمم المتحدة"، ورفع "علم كردستان" الجديد، وإنشاء "جمهورية البصرة الإسلامية" و"جمهورية الأنبار الإسلامية"! وسيناريوهات الأكاديميين قصص "سحرية" لتلهية السياسيين ورجال الأعمال. وعام 2010 الذي اختاروه لمغادرة القوات الأميركية العراق، عام سحري، فهو نفسه العام الذي سيشهد نهاية الكارثة الحالية في الأسواق المالية، وعودة الاقتصاد للانتعاش، حسب "بن بيرنينك" رئيس "المجلس الاحتياطي الفيدرالي" الأميركي. والعلاقة بين الاثنين "سحرية" أيضاً. فـ"الفيدرالي"، كما يُسمى اختصاراً، يضم احتياطيات العراق المنهوبة خلال أكبر عملية نهب في التاريخ. تجري عملية النهب عن طريق الديون التي يبلغ حجمها العام 3 تريليونات دولار، وتوظيفات المستثمرين الأجانب في الولايات المتحدة والتي تبلغ 4.5 تريليون دولار. وهي نقود ورقية لا يدعمها شيء. و"إمبراطورية الديون" هذه هي البيئة الجغرافية والأخلاقية للمغتربين العراقيين الذين التحقوا بركب الاحتلال، لكن بعضهم أوفر حظاً من بعض في سرقة أموال البلد. فأحد وزراء الحكومة المؤقتة اختلس نحو مليار دولار، وأعضاء البرلمان المؤقت حصلوا على مرتبات تقاعدية شهرية مدى الحياة قدرها خمسة آلاف دولار عن خدمة ستة أسابيع. فما نفع دكتاتور وطني لا يستطيع وقف اختفاء مليارات الدولارات من أموال العراقيين في "الثقب الأسود" الأميركي الذي ابتلع تريليونا و300 مليار دولار من البنتاجون وحده، و59 مليارا من وزارة الإسكان والتنمية المدنية في الولايات المتحدة، حسب عالمة الاقتصاد الأميركية "كاثرين أوستن فيتس" التي تعرض في موقعها على الإنترنت قائمة بالأموال المختفية؟ "الفيدرالي" هو المكان الذي اختفت عبره مليارات من أموال "النفط مقابل الغذاء" العراقية، وفيه تقرر شطب قرار الدولة العراقية اعتماد عملة "اليورو" الأوروبية في معاملاتها النفطية والعودة إلى الدولار، والذي سبب خسارة أموال طائلة للعراقيين. ومن احتياطيات العراق في "الفيدرالي"، استمر حتى هذا العام دفع عشرة مليارات دولار سنوياً أجورا للتفتيش عن "أسلحة الدمار الشامل" التي لا وجود لها. وأعتذر بنكتة ثانية قد تفسر لماذا كشف السيناريو هوية الشخص المرشح لدور الدكتاتور الوطني القادر على توحيد العراقيين. تقول النكتة إن طبيب مستشفى الأمراض العقلية أبلغ الشرطة عن هروب مجنون كثّ الشعر أصلع. وعندما سأله الشرطي: "شلون يصير أصلع وشعره كث"؟! أجاب الطبيب: "مجنون"! وهل غير مجنون يدعو في الصفحة 8 من السيناريو لظهور "الدكتاتور الوطني بشكل مفاجئ، عن طريق انقلاب مثلاً"، ثم يعلن في الصفحة 9 أنه الفريق عَبود قَنبَر الذي عينه رئيس الوزراء نوري المالكي في يناير الماضي بمنصب قائد القوات العراقية المسلحة، وهو من الجنوب الشيعي، وكان قائداً للبحرية في العهد السابق، وأسيراً خلال حرب الخليج عام 1991؟.. وهل من نكتة تفسر أمل واضعي السيناريو في أن يوقظ الفريق قَنبَر الروح الوطنية الغافية لدى العراقيين، كعبد الكريم قاسم، وهو الذي تآمرت واشنطن لاغتياله عام 1963؟! وكيف بنكتة توقعاتهم في أن يصبح حكم الفريق قَنبَر نسخة مقبولة من نظام صدّام حسين الذي قتلوا مليون شخص للقضاء عليه؟!