اختلف جداً مع الزملاء الكتّاب الذين يرون في البرامج الأميركية والأوروبية "المُعرّبة" غزواً لنا! بل إنها مؤامرة يقوم بها بعض القائمين على شاشاتنا العربية ضد قيمنا وموروثاتنا ومستقبل أبنائنا!
ذلك، أن شراء حقوق تلك البرامج لم يفرضه بوش أو بريمر أو بلير، بل أوجده إفلاس العقل العربي أو "تفليسه"، والمصالح التي تربط بعض القائمين على الفضائيات بالوكلاء أو أصحاب حقوق هذه البرامج التي باتت تهدد كل شيء!
وفنانونا ومبدعونا لا زالوا ينظرون إلى التقاليع الأميركية والأوروبية على أنها الأفضل والأجدر بالاحتذاء، لذلك يقومون بتقليدها أو شراء حقوقها كما يحدث في تلفزيون الواقع وغيره من البرامج التي تنمّي -لدى المشاهد- رغبة التلصص والسعي نحو الوصول إلى أكثر المشاهد إثارة في الاجتراء على خصوصية البشر. شاهدت بأم عيني، كيف أن مخرجاً للبرنامج الطويل والمُمل يركز الكاميرا -من الخلف- على ظهر فتاة لم تكن تعلم أنها كانت لقمة سائغة لعين الكاميرا "الملهوفة" على كل مثير، وإن كان محرّماً!
من الناحية الفنية البحتة، ماذا يعني وجود كاميرا في منزل تلاحق مشي ونوم واحتضان وطعام شباب يعلمون بوجودها في كل أنحاء المنزل؟ هل هنالك تشويق يستمر ساعات طويلة، وما هو الحدث الذي يكبر ليصل إلى الذروة كما في المسلسلات؟ إن استمرار الكاميرا بملاحقة الشباب تجعل الكادرات مملة، والإيقاع بطيئاً.
من الناحية الاجتماعية، لن نناقش قضية الخلوة التي يعرفها الجميع، وكنا قد درجنا على أن التمثيل الواضح -كما في المسلسلات والأفلام- يصور الخلوة ولكن في توضيح إلى الزوجة أو الأم أو الأخت. ولكن في مثل هذه البرامج -التي نتحفظ على صدق نواياها وأهدافها- فإن وجود فتاة نصف عارية بين شباب لا يربط بينهم رابط ولو كان فنياً أو درامياً، نجده اجتراءً صارخاً على قواعد السلوك والقيم، خصوصاً مع الملابس الضيقة للفتاة وتلك التي تكشف أكثر مما تستر!
إننا أمام محك كبير اليوم، ولابد أن يرتفع صوت يقول: لا، لمثل هذه البرامج غير الملائمة لواقعنا العربي. وأخشى أن يتطور الأمر ويأتون لنا ببرامج (Blind Date) وغيره من البرامج الإباحية. ومن يدري فقد يشتطون -"أصحابنا"-شططاً جديداً ويبثون برامج (المثلية الجنسية) وينادون بالحقوق التي ينادي بها الشواذ!
إن على وزراء الإعلام العرب أمانة كبيرة في انتشال الجيل العربي من أكاديميات الدمار. ونحن نعرف أن الأكاديميات تعّلم الأخلاق والعلوم والتجارب الذكية، وتُعد الأجيال لمواجهة الحياة. فهل هذه الأكاديميات الفضائية تعمل على ذلك، ثم ما هو ذنب المشاهدين -وأغلبهم من المراهقين- إن عودناهم على هكذا وجبات فضائية تخدرهم وتضيع أوقاتهم دون فائدة أو معنى؟
بودي لو يسمع وزراء الإعلام العرب هذه الصرخة، ويبادروا إلى اتخاذ قرار جريء وصحيح بوقف مثل هذه البرامج. وبودي لو طبقت مؤسسة "عربسات" شروط اتفاقياتها مع الفضائيات، إذ نحن ندرك أن هنالك شروطاً للبث تحظر قيام الفضائيات بالمساس بالدين أو الأخلاق أو القيم العربية الأصيلة.
إن أبناءنا في خطر، ولئن كنا نتألم من واقع الإنترنت الذي نلوم فيه ذواتنا وأبناءنا، إلا أن هذه التوجهات -عبر مثل هذه البرامج- تخرّب ما تبقى لدى أبنائنا، وما يحاول التربويون القيام به للحفاظ على هويتنا العربية وقيمنا الجميلة.
إن حرية التلقي التي قد يحاول أصحاب هذه الفضائيات التغني بها وإقناعنا بها لا تندرج في هذا السياق الذي "يحرّض" على فعل الخطيئة، وإهدار وقت الشباب بتسمّرهم أمام الشاشات ليشاهدوا شباباً يُدندنون، ويتبادلون نكاتاً ومواقف "بايخة" وغير جديرة بالاحتذاء.
بودي لو قام كل صحافي مخلص وكل تربوي فاضل بالمساهمة في وقف التدمير الفضائي الذي يستهدف أبناءنا، ويُضعف شخصياتهم، ويجعلهم لقمة سائغة للاستغلال التجاري الذي تتبارى فيه الفضائيات.
وكلمة أخرى في هذا السياق، يعني ألا يوجد في البرامج الأميركية والأوروبية إلا هذه البرامج الفاضحة والتي لا تناسبنا كعرب؟ لماذا لا تقلدون البرامج الثقافية والاجتماعية التنويرية -الكوميدية وغيرها- إنها ممتعة وتأتي أيضاً بالإعلان والأرباح؟
أخشى أننا نقترب من استيعاب "نظرية المؤامرة"-التي لا نؤمن بها في السياق الإعلامي- وإلا لماذا نشطت الفضائيات مرة واحدة بعد 11 سبتمبر وبدأت تبحث في الشوارع الخلفية لنيويورك ولوس أنجلوس لتأتي لنا بالقيم الأميركية وتُلقنها لأبنائنا الجاهزين لتقبّل كل جديد! ثم لماذا يكون التركيز بهذه الصورة على الطرب، ألا يوجد شيء غير الطرب يمكن أن يُشغل الشاب نفسه به، وتُشغل الفضائيات أوقاتها به!
أدعو من جديد إلى وقفات رسمية وشعبية من أجل غد أطفالنا وشبابنا وشاباتنا، لأن الهجمة أكبر مما تتصورون!