لم يضع أليسكي سوروكين نهاية للحرب الباردة، لكن من المؤكد أنه لعب دوراً صغيراً في ذلك، باعتباره واحداً من مجموعة تضم 50 ألف سوفييتي من الطلاب والطالبات والعلماء والصحفيين والصحفيات والراقصين والراقصات والمسؤولين الحكوميين، وبينهم بالطبع بعض ضباط من وكالة الاستخبارات السوفييتية "كي جي بي"، وفدوا إلى الولايات المتحدة في سياق مختلف برامج التبادل الثقافي التي جرت في سنوات الحرب الباردة.
وقد قضى سوروكين، الذي كان مراهقاً في عام 1986، شهراً كاملاً كعضو في برنامج تبادل طلابي أقيم في مدرسة تشيفي تشيس الثانوية في مدينة بيثيسدا بولاية ميريلاند، حيث تسنى له تحقيق جزء من حلم ارتسمت خطوطه قبل ذلك بعامين أمام رونالد ريغان الذي قال آنذاك إنه يتطلع إلى وقت يتسنى فيه للمواطنين السوفييت والأميركين السفر بحرية بين البلدين ذهاباً وإياباً، وأن يتبادلوا زيارات بيوت بعضهم بعضاً، وأن يزوروا الأصدقاء وزملاء المهنة، وإذا أعجبهم ذلك، أن يسهروا الليل كله يتحدثون عن معنى الحياة. وتحقق الحلم. فبعد مضي عامين على عودة أليسكي إلى روسيا، أعلن غورباتشوف نهاية الحرب الباردة، ثم تخرج أليسكي بعد سنوات من الأكاديمية الدبلوماسية في موسكو وأتى إلى واشنطن كدبلوماسي روسي.
ونقلب صفحة أخرى في فصول القصة فنجد أليسكي في ولاية يوتا هذا الشهر ضمن فريق من الرياضيين الروس وفي دور جديد يقوم فيه بوظيفة كبير المستشارين في اللجنة الأولمبية الروسية. وتحدث أليسكي عن معرفته المبكرة بأميركا وقال إنه يدرك مدى فائدة التعارف الشخصي ورؤية الأمور على حالها، وأضاف أنه لا يجد بديلاً لذلك.
أثناء الحرب الباردة، كان العداء وسوء التفاهم بين السوفييت والأميركيين في كل النواحي شديداً إلى الدرجة التي بلغها العداء وسوء التفاهم بين الأميركيين والعرب المسلمين اليوم. ولا يمكننا التظاهر بأن التبادلات بين الشعوب كانت وحدها سبب إنهاء الحرب الباردة، لكن من المؤكد أنها كانت عاملاً مساعداً. فهل تستطيع التبادلات الثقافية اليوم أن تقلص حجم التوترات القائمة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي؟
هناك الكثير من الأميركيين المتلهفين إلى خوض التجربة والمحاولة وإضافة دعم المواطنين الخاص إلى الموارد المحدودة التي من الواضح أن الحكومة الأميركية قادرة على تكريسها للتبادلات بين الشعوب. وقد كتبتُ في الشهر الماضي مقالة في الدفاع عن قيمة هذه التبادلات، فوردتني ردودٌ حماسية من القرّاء. وكتبت إليّ قارئة في بوسطن عن برنامج سابق لتبادل الزائرين الدوليين أقيم هناك واستقطب إلى منزلها الصحفيين والأطباء وأساتذة الجامعات والمدرّسين والمفتشين والمتخصصين في الأرشيف. وعبّرت القارئة عن ثقتها في أن التمويل الصغير نسبياً والذي تضخه الحكومة الأميركية في برامج الضيافة، قد أدى، إلى جانب حسن الضيافة من جهة المتطوعين في بوسطن وغيرها، إلى توفير قاعدة ثمينة جداً يمكن للتفاهم بين الثقافات أن يزدهر منها مثلما ازدهر في الماضي.
ومن فيرجينيا كتب إلي قارئ عن التبادل العكسي، ويذكر رحلة قام بها إلى موسكو في شتاء أحد الأعوام حاملاً تبرعات عينية من المعاطف والقبعات والوشاحات وأغطية الرأس التي صنعها الفتيان والفتيات في كنيسة منطقته من أجل 200 لاجئ أفغاني يعيشون في موسكو. وقال القارئ إن المقالة تذكّره بأن الذين يستخفون بتعزية من هذا النوع إنما يحتاجون إلى تحسين حياة الآخرين كلهم.
وكتب إليّ محامٍ أنشأ مؤسسة للتبادل الثقافي الدولي، وقال في رسالته إن مؤيدي المشروع ذوي حماسة شديدة وموارد قليلة، لكنهم يمدّون أيديهم ويحملون في قلوبهم حباً كبيراً للوافدين من شعوب الدول الأخرى الذين يحملون إلينا-على حد قوله- أفضل ما في بلادهم على الإطلاق.
وهناك قارئة من ولاية يوتا منخرطة في برنامج مدينة الأخوات التبادلي مع روسيا، وكتبت إليّ عن استضافتها لعدد من الجنرالات والضباط الروس في منزلها. وقد كان الضباط مكلفين بمراقبة عملية تدمير الأسلحة في المنشآت العسكرية الموجودة في يوتا. وتقول القارئة إن معظم سكان العالم يؤسسون فكرتهم عن بلدنا أميركا على أساس أفلامنا ومسلسلاتنا التلفزيونية ومسلسلات السهرة، ولذلك لا عجب في أن الكثير منهم يكرهون أميركا ويبغضونها. وهناك فرقة فنية محلية كان مطلوباً منها أن تستضيف مجموعة روسية من الراقصين والراقصات، وأن تحمل الفن الأميركي إلى المهرجانات الفولكلورية المقامة في كل من ألمانيا وهنغاريا والصين. ويقول أعضاء الفرقة إن الشباب الأميركيين يبنون جسور الصداقة، ويرون أن الأشخاص الذين لم يأتوا في حياتهم إلى الولايات المتحدة يحملون انطباعات سيئة وسلبية عن أميركا والشعب الأميركي. أما ييل ريتشموند الدبلوماسي المتقاعد فيقول في كتابه "التبادل الثقافي والحرب الباردة" إن تبادلات كهذه تؤكد أن السياسة الأفضل في التعامل مع البلدان التي نختلف معها تقتضي الاشتراك والانخراط، وليس العزلة.
وإذا كانت هذه التبادلات فعاّلة في المساعدة على وضع حد