من بين الجدل الدائر حول حصاد دور الانعقاد الأول من الفصل التشريعي الرابع عشر لـ"المجلس الوطني الاتحادي" لفتت الأنظار قضيتان مهمتان هما: عدم تنفيذ الوعود الانتخابية، وضرورة الإسراع بالنظر في توسيع صلاحيات المجلس، وهاتان جزئيتان مترابطتان يصعب مناقشة إحداهما بمعزل عن الأخرى. بالنسبة إلى جزئية الوعود الانتخابية فإن المراقبين يدركون أن الحملات الانتخابية للكثير من مرشحي "المجلس الوطني الاتحادي" قد عكست عدم إلمام واضح بحدود الدور التشريعي والرقابي للمجلس بحسب ما هو قائم في الدستور واللائحة الداخلية، وبالتالي تناثرت الوعود والتصريحات وتناولت قضايا وموضوعات عديدة وذهبت إلى مسافات بعيدة وقدّمت وعوداً خيالية بحلّ المشكلات التي استعصى بعضها على الحلّ حتى الآن، بينما يتطلّب بعضها الآخر دراسات وخططاً متدرّجة لتنفيذ أي حلول ومخارج يتفق عليها بين الجهات والدوائر الرسمية المعنيّة. ورغم أن السبب المتداول لتبرير هذه الوعود يدور في فلك ضعف الخبرة البرلمانية وعدم الإلمام بحدود دور المجلس تشريعياً ورقابياً، فإن من الضروري الإشارة إلى أن النقاشات والقضايا التي طرحت في دور الانعقاد الماضي لامست من قريب أو من بعيد معظم الملفات التي طرحت بشأنها الوعود والعهود خلال الحملات الانتخابية، وبالتالي كان مفترضاً ترجمة موقف الأعضاء حيال هذه القضايا إلى طروحات ونقاشات وتوصيات تخرج عبر اللجان البرلمانية، ولكن ذلك لم يحدث في مجمل الأحوال واكتفى معظم الأعضاء بطرح وجهات نظر واللجوء إلى مصطلحات زئبقية مطاطة للتعبير عن أوضاع مجتمعية متداولة، في حين غابت الإحصاءات والجاهزية المعلوماتية التي يفترض أن يتزوّد بها الأعضاء قبيل مناقشتهم موضوعاً ما أو طرح سؤال حول موضوع معيّن، وغابت التصوّرات والرؤى المحدّدة والحلول المقترحة وظهر الكلام المطلق وغاب التنسيق الجماعي حتى بين أعضاء اللجنة الواحدة عند طرح قضايا حيوية مثل سياسة وزارة التربية والتعليم، وغير ذلك، ما أدى بالتبعية إلى تكرار المداخلات وتفتت الموضوعات والاهتمام بالتفاصيل على حساب الخطوط العريضة والاستراتيجية الأساسية للوزارة. وبالتالي فإن محدودية إنجاز المجلس في التأثير في سياسة العمل في بعض القطاعات الحكومية ربما لا ترتبط فقط بالقيود الدستورية ولكنها تبدو ذات علاقة وثيقة أيضاً بأداء الأعضاء الذين يفترض أن يتحرّكوا في مجمل الهامش المتاح أمامهم ويستغلوه أفضل استغلال، وهو ما لم يحدث عند مناقشة بعض الموضوعات والتأخّر في استصدار التوصيات بشأنها، وأيضاً عندما غابت المنهجية اللازمة في التعقيب على ردود الحكومة على بعض الأسئلة المطروحة. الخلاصة أن المراقب لجلسات المجلس يدرك أنه حتى في حدود الصلاحيات التشريعية والرقابية القائمة يمكن أن يكون المجلس ذا دور واضح المعالم، بدليل أن المجلس نجح في إجراء تعديلات على بعض مشروعات القوانين التي تمّت مناقشتها، كما نجح في الضغط على ممثلي الحكومة للتخلّي عن مواد معيّنة في بعض هذه المشروعات، وبالتالي يصعب القطع بعدم وجود أي هامش مناورة تشريعي، ولكن ملء هذا الهامش واستغلاله يتطلّب تنسيقاً وعملاً جماعياً جاداً قبيل الجلسات وأثناء الجلسات ويتطلّب أيضاً فهم واستيعاب اللائحة والقواعد المنظمة للنقاشات تحت القبّة بشكل كامل بحيث يتفهّم العضو دوره كاملاً. هذا الكلام لا ينفي بالطبع أن هناك حاجة مُلحّة إلى توسيع صلاحيات المجلس، ولا ينبغي أن يفهم باعتباره دعوة للاكتفاء بما هو موجود، ولكنه يؤكّد منطقية وصواب منهج التدرّج المدروس الذي تمضي عليه الدولة في المرحلة الانتقالية الراهنة من الحياة السياسية. عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية