في زيارة قمت بها لعدد من جامعات ولاية أريزونا، التقيت بمجموعة من المسؤولين في تلك الجامعات، وذلك في إطار محاولة فتح آفاق جديدة لتوفير قبول لطلبة الإمارات. وفي كل لقاء كنت أطرح أسئلة محددة ومعدة سلفاً في ذهني بغرض بناء سياسات لتوجيه الطلبة للدراسة لدى جامعة دون أخرى. ومن أهم الأسئلة التي أطرحها، سؤال حول ما الذي ينصحني به أولئك المسؤولون لكي أستطيع إرسال الطلبة المناسبين للدراسة لديهم؟ وبالطبع، فإن الإجابات تتفاوت، ولكن ما كان مشتركاً بينها هي الإجابة المتعلقة بإعداد الطالب لغوياً ولو بالقدر اليسير قبل إرساله، وبجاهزية الطالب لاستخدامات الكومبيوتر، وأن يكون لديه جهاز كمبيوتر محمول خاص به. وفي الزيارة الأخيرة، شاءت الصدفة أن أجد المجال ملائماً أثناء أحد اللقاءات، لكي أتوسع في الاستفسار حول الفلسفة التي تكمن وراء لزومية "اللاب توب" للطالب الجامعي وعدم مفارقته لحقيبة ظهره، فخرجت بأن استخدام الكومبيوتر في هذه المنطقة كان دائماً جزءاً من نسيج الفصل الدراسي لمدة طويلة من الزمن، فبعض كليات جامعة ولاية أريزونا مثلاً، درجت على إلزام طلابها بامتلاك جهاز كمبيوتر شخصي منذ بداية ثمانينات القرن الماضي، وفي الوقت الذي يرى فيه بعض الأكاديميين أن العملية التعليمية لم تتقوَّ كثيراً بسبب استخدام الكومبيوتر، فإن آخرين يرون أن التقدم التكنولوجي خلق قرية كونية داخل الحرم الجامعي. لقد أصبح كل أفراد الحرم الجامعي يستطيعون الحديث إلى بعضهم بعضاً بشكل أكثر استمرارية، والطلبة عندما يواجهون صعوبات يقومون بالتخاطب الإلكتروني مع بعضهم بعضاً، أو مع أساتذتهم أو مع كل من يستطيع أن يقدم لهم المساعدة، لذلك فإن كامل ثقافة الحرم الجامعي آخذة في التغير السريع بسبب الكومبيوتر. للأدوات التكنولوجية الحديثة تأثير ملموس على التعليم، فجهاز الكومبيوتر يساعد الطلبة على إنجاز المشروعات الدراسية الجماعية والبحث الجماعي، وهذه أمور أساسية عند إعداد الأجيال القادمة للدخول إلى القوة البشرية العاملة. وأنا أستمع إلى تلك الإجابات، تبادر إلى ذهني فوراً نص المادة الثانية من القرار رقم (5) لسنة 1985، التي تشير إلى منح راتب شهر لطلبة الطب والهندسة وبعض التخصصات الفنية الأخرى لشراء جهاز كمبيوتر شخصي، والواقع أني سرحت بعض الشيء وأنا أتذكر تلك المادة في شيء من الألم النفسي، رثاءً لما يواجهه طلبتي الذين أشرف على دراستهم في الولايات المتحدة، في الوقت الذي سرحت فيه أيضاً في جمودنا في صياغة قوانيننا وفي تفسيرها لكي تصبح عائقاً أمامنا وليست حلاً لمشاكلنا ومسهلاً لنا للدفع بعجلة التنمية إلى الأمام. إن أغلبية الشريحة الطلابية الإماراتية التي أتعامل معها، تنحدر من خلفيات اجتماعية وجغرافية لا تسهل لها الحصول السريع على جهاز كومبيوتر شخصي محمول بكامل معداته بإمكانياتها الخاصة لأسباب اقتصادية. ومن واقع الوضع القانوني الذي يحكم هذه المسألة ليس من الممكن مطلقاً أن تشتمل مزايا البعثة على شراء جهاز كومبيوتر لكل طالب، لذلك فإن معظمهم لن يتمكن من أن يكون لديه جهازه الخاص الذي يستطيع استخدامه في المدرسة والبيت في آن واحد. وحسب ما أستشفه من نقاشي مع بعض الطلبة حول هذه المسألة، فإن معظمهم يستخدم ما تقدمه جامعاتهم من تسهيلات، وهذه عملية شاقة في ضوء أعداد الطلبة الذين يقبلون على مثل هذه الخدمات. إن تحركاً من نوع ما تجاه هذه المسألة لحلها مطلوب بصفة عاجلة، والمدخل إلى ذلك هو تعديل نص المادة الثانية من قرار مجلس الوزراء رقم (5) لسنة 1985. الغريب في الأمر هو أن الدولة تنفق على طالب البعثة حوالي 40 ألف دولار أميركي سنوياً لمدة خمس سنوات، ثم لا تأخذ في الاعتبار ثمناً زهيداً لشراء جهاز كومبيوتر، أو ليست هذه بمفارقة يجب أن تزول؟