تعانى الغالبية العظمى في إمارة أبوظبي من ارتفاع إيجارات الوحدات السكنية، بمعدلات تزيد على 20%، ورغم أن قرار تحديد السقف الأعلى للزيادة السنوية في عقود الإيجار العقاري عند 7%، قد أزال قدراً كبيراً من الغموض عن السوق العقارية وأشاع قدراً من الارتياح لدى المستأجرين في المدى القصير، فإن ذلك لم يمنع المستوى العام للإيجارات من الزيادة بثلاثة أضعاف السقف الذي حدَّده القانون، في ظل التفاف الملاّك حول هذا القانون، من خلال العديد من الحِيل، كما أدى هذا الوضع إلى تنامي دور الوسطاء وظهور ما يسمّى بتجّار الأزمات. من جانب آخر بدا واضحاً أن الأسعار المصطنعة التي يؤطر لها هذا القانون ويتصدى لها، أصبحت تقف عائقاً كبيراً أمام شركات التطوير العقاري والمستثمرين الذين قد يدفعهم هذا السقف إلى بدائل أخرى، بينما اتجه بعضهم إلى تغيير نشاط البناية السكنية إلى شقق فندقية لا تخضع لهذا القانون، الذي أصبح ينطوي على تقليص الدافع لدى أصحاب العقارات لطرح عقارات جديدة في السوق، ما يفرض ضغوطاً إضافية على العرض مقابل تزايد الطلب ما يفاقم من حالة الاختلال القائم أصلاً في سوق الإيجار العقاري، حيث تشير تقديرات بعض المسؤولين إلى أن الفجوة ما بين العرض والطلب تصل إلى نحو 50%. في ظل هذا الوضع، حملت الصحف المحلية، مؤخراً، تصريحات بعض المسؤولين بأن الإيجارات في أبوظبي ستستمر في الارتفاع خلال الفترة المقبلة، وأنه لا أمل في انخفاضها قبل ثلاث سنوات من الآن. بالطبع لا أحد بالطبع يمكنه أن يتنبّأ على وجه الدقة بمستقبل الإيجارات أو القطاع العقاري بشكل عام في ظل غياب شبه تام للإحصاءات اللازمة في جانبي العرض والطلب معاً، إذ إن أي قراءة صحيحة لتوجُّهات القطاع العقاري خلال السنوات الثلاث المقبلة تتطلّب معلومتين في غاية الأهمية: الأولى تتعلق بحجم ونوع الطلب على الوحدات السكنية خلال هذه الفترة. أما الثانية فتتعلق بحجم وبطبيعة العرض، حيث تشير معطيات ميدانية إلى أن ما يزيد على 80% من الاستثمارات في القطاع العقاري توجّه في مجال البناء المتميز والفاخر، الذي يخدم شريحة معيّنة من المنتفعين، بينما تذهب النسبة المتبقية على ضآلتها إلى إقامة أبنية اقتصادية، لتلبّي بذلك طلبات الطبقة الوسطى من فئات الموظفين ومحدودي الدخل، الذين يشكّلون 80%- 85% من إجمالي المشتغلين في الدولة. هذا الانقسام الكبير في السوق العقارية، وإن كان قد ينذر بوصول العرض للوحدات السكنية الفاخرة التي تطرح للتملّك إلى مرحلة الفائض وتراجع عائدها الاستثماري إلى مستويات قد تؤثر سلباً في القطاع العقاري، فإنه في الوقت نفسه يربك جميع الحسابات بشأن الاتجاهات المستقبلية لسوق العقارات بشكل عام. إن معالجة هذا الخلل، تتطلّب إعادة تفعيل قوى السوق على أساس توجيه الاستثمارات الجديدة وفقاً لنمو الطلب الفعلي، الأمر الذي سيؤدي إلى توازن أفضل بين العرض والطلب في فئات الإسكان كافة ويوجّه الاستثمارات نحو تلبية الاحتياجات الفعلية في هذا القطاع، كما أن التدخّل التشريعي الذي يطالب به بعضهم لضبط سوق الإيجارات خلال المرحلة المقبلة، يجب أن تدعمه سياسات اقتصادية ومالية تعمل على التأثير في مؤشرات اقتصادية محدّدة، ومن خلال العديد من الوسائل والطرق مثل رفع سقف الائتمان البنكي للتمويل العقاري، على ألا تخل مثل هذه السياسات بقواعد الحرية الاقتصادية. عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.