تشهد العلاقات السياسية والاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة توتراً منذ فترة غير قصيرة، بسبب الشكوك التي أصبحت تثار حول سلامة وأمن الصادرات الصينية للولايات المتحدة. وتعود أولى حلقات هذا التوتر إلى شهر مارس الماضي، عندما قامت شركة كندية باستدعاء ملايين من معلبات أطعمة القطط والكلاب. وتم هذا الاستدعاء نتيجة لتواتر التقارير منذ شهر فبراير، عن إصابة أعداد هائلة من الحيوانات الأليفة بالفشل الكلوي، بسبب تناولها لأطعمة تحتوي على مادة "جلوتين القمح" (Wheat gluten)، التي تم استيرادها من إحدى الشركات الصينية. فبعد ثلاثة أسابيع من شكاوى أصحاب تلك الحيوانات، قامت الشركة بإجراء فحوصات على المادة المشتبه بها، لتكتشف تعرض بعض الحيوانات التي خضعت للتجارب للمرض والوفاة، وهو ما دفع مسؤولي الشركة لسحب جميع المنتجات من على أرفف المحلات والسوبرماركت. وسرعان ما وصل الخبر لوسائل الإعلام، التي قامت بدورها بتحقيقاتها الخاصة، لتكتشف -حسب زعمها- حالات كثيرة من وفيات الحيوانات بسبب الفشل الكلوي، وهو ما حدا بجميع الشركات المُصنعة لأطعمة الحيوانات الأليفة، إلى سحب منتجاتها التي تحتوي على نفس المادة المستوردة من الصين من الأسواق. هذا التسلسل السريع للأحداث، وما نتج عنه من خسائر تقدر بعشرات الملايين من الدولارات، ومن تشويه سمعة المورِّدين الصينيين، تم دون وجود دليل قاطع على العلاقة بين المنتج الصيني وبين حدوث الفشل الكلوي لدى الحيوانات. فالنظرية المتداولة، هي أن "جلوتين القمح" الصيني كان ملوثاً بمادة "الميلامين"، المعروف عنها تسببها في الفشل الكلوي. هذه النظرية حتى الآن، لا تزيد عن كونها نظرية لا إثبات لها، ولذا ربما يكون المنتج الصيني بريئاً تماماً من مثل هذه الاتهامات. ولكن بعد هذه الحادثة، فتحت أبواب الجحيم على مصراعيها على الصادرات الصينية. ففي شهر يونيو الماضي، أطلقت هيئة الأغذية والعقاقير الأميركية، وهيئات مماثلة في أستراليا وبنما وبورتوريكو، تحذيراً يتعلق بنوع من معجون الأسنان تم تصنيعه في الصين، بعد أن اكتشف تلوث بعض الشحنات منه بمادة كيميائية سامة (Diethylene glycol)، تستخدم كمضاد للتجمُّد في محركات السيارات. هذه المادة يشتبه في تسببها في وفاة أكثر من خمسين شخصاً في بنما العام الماضي، عندما تمت إضافتها خطأً إلى شراب يستخدم لعلاج الكحة والسعال. فعلى رغم أن هذه المادة تم استيرادها على أنها مادة جليسرين، إلا أنه خلال رحلتها من الصين إلى بنما، عبر مستورد ومصدر في إسبانيا، تم لصق الاسم الخطأ على العبوات. وتدافع الصين عن نفسها ضد هذه الاتهامات، بأن لصق الاسم الخطأ، ربما يكون قد حدث في إسبانيا، أو بعد وصول الشحنة إلى بنما. كما أنه يفترض في شركة الأدوية المصنعة للشراب المضاد للكحّة والسعال، أن تقوم بإجراء بعض التجارب الكيميائية البسيطة، للتأكد من ماهية المواد الكيميائية التي ستضعها في زجاجات الأدوية. أما بالنسبة لتلوث معجون الأسنان بالمادة السامة، فيدعي الصينيون أن كمياته كانت بسيطة جداً، إلى درجة لا تشكل أي خطر صحي، كما أنه من الشائع أن يتلوث العديد من أنواع معاجين الأسنان بهذه المادة خلال عملية التصنيع، دون أن تسبب أية مضاعفات صحية. ولم تنتهِ مشاكل الصينيين عند أطعمة الكلاب ومعاجين الأسنان، ففي الأسبوع الماضي قامت واحدة من أكبر شركات تصنيع لعب الأطفال، باستدعاء أكثر من مليون ونصف مليون لعبة أطفال، تم تصنيعها في الصين. وتزعم الشركة أن هذه اللعب، تم طلاؤها بصبغة لم تحظَ بالموافقة الأولية من الشركة الأم، ويشتبه في احتوائها على كميات كبيرة من مادة الرصاص السامة. وهو نفس ما قامت به شركة ألعاب أخرى في شهر يونيو الماضي، عندما استدعت أكثر من مليون ونصف مليون من لعب الأطفال، ولنفس السبب. ولكن هل المنتجات الصينية بالتحديد أقل أمناً وسلامة؟ الحكومة الصينية، وبعض الخبثاء، يرون أن التغطية الإعلامية الواسعة لهذه القضية، هي مجرد ورقة ضغط تستخدمها الحكومة الأميركية في مفاوضاتها الجارية مع الصين، وخصوصاً حول موضوع عجز الميزان التجاري الفادح بين الولايات المتحدة والصين، وقضية تعويم العملة الصينية "اليوان"، التي ترى الحكومة الأميركية أنها أقل بكثير من قيمتها الحقيقية، مما يمنح المنتجات الصينية ميزة سعرية مقابل المنتجات الأميركية في الأسواق العالمية. ويستدل البعض على خبث السياسة الأميركية، واستخدامها لوسائل الإعلام العالمية -الأميركية في الغالب- للضغط على الحكومات الأجنبية، بأرقام وإحصائيات أخرى، لم تحظَ بنفس هذا القدر من التغطية المتكررة، والمساحات الشاسعة على صفحات الجرائد وشاشات التلفاز. فما بين عامي 2006 و2007، رفضت هيئة الأغذية والعقاقير 1900 شحنة غذائية من الصين، لعدم مطابقتها للمواصفات. ولكن في نفس الفترة، رفضت أيضاً 1787 شحنة من الهند، و1560 شحنة من المكسيك، لنفس السبب. وحتى فرنسا تم رفض شحنات من الجبن منها، بسبب تلوثها ببعض الميكروبات الخطيرة (Listeria). أما إنجلترا، فرفضت شحنات من البسكويت منها، بسبب تلوثها بملونات يشك في خطورتها على الصحة العامة. ومن البرازيل تم رفض شحنات من الأسماك المجمدة، بسبب قذارتها الشديدة. ولكن لسبب أو آخر، لم تصل أخبار كل هذه الشحنات إلى آذان "السي إن إن" أو غيرها، مما جعل صادرات التنِّين الصيني، الضحية الوحيدة في معبد السيطرة الأميركية على وسائل الإعلام العالمية.