في عيد الأضحى لعام 1424هـ تم تبادل أكثر من 400 أسير عربي مقابل عسكري إسرائيلي حي واحد مع ثلاثة توابيت تم التأكد من الجثث فيها بفحص الحامض النووي. فهلل العرب للنصر المبين؟ وفي العيد الحزين نفسه خرج أكثر من مئة من سجن في بلد ثوري عربي بعد أن قبعوا في السجن بضع سنين من أجل آرائهم. فلم يهلل أحد لأن أضعافهم في الداخل. بعضهم أصبح له أكثر من ثلاث وعشرين سنة بدون محاكمة. ومن كان في الخارج لا يفترق كثيرا عمن هم في الداخل. ومن كان في الخارج كان في سجن كبير بدون قضبان وأسوار يرتعب من اسم المخابرات والتقارير السرية التي تدخل أي إنسان في أية لحظة السجن الصغير.
وروى لي صديقي زيرك الكردي أن رجلا خرج من سجن صدام بعد ستين سنة فلم يتذكر سوى الملك فيصل ولم يعرف ماذا حدث بعد ذلك، فكانت دهشته مثل دهشة أصحاب الكهف. ونحن نستطيع أن نرى إسرائيل ولكن حتى نرى وجوهنا نحتاج لمرآة. ومن أراد إبصار قفاه احتاج إلى مرآتين. ونحن لم ندخل عالم المرايا بعد. فنحن أمة أمية، ونفتخر بذلك، وكل واحد من أربعة من العرب أمي. وأحسنت جريدة "الشرق الأوسط" صنعاً وهي ترسم الكاريكاتور لسجين عربي يحتضنه شيخ وبجواره رجل المخابرات العربي يبتسم وفي يده الكلبشات؟ وما حصل يعني في علم السياسة أن إسرائيل رضيت لنفسها ظاهرياً الذل في التفاوض مع حزب وليس دولة لتفدي المئات مقابل فرد واحد. ولكن الطفل لا يفهم حرفا في رياضيات التفاضل والتكامل، والأمي لا يفك الخط ولو كان من أحب الناس أو أبغضهم إليه، فالرسالة يقرؤها من يحسن القراءة وفهم اللغات. والسياسة والرياضيات والأخلاق لغات شتى. والحدث يعني في علم الرياضيات أن إسرائيل اعتبرت أن ثلاث جثث وحياً واحداً تساوي في الميزان أي عدد آخر من العرب ولو بلغ المئات والآلاف. وهو يعني في علم المنطق الأخلاقي أن حياة الإسرائيلي ولو كان عربي الأصل غالية جدا في الميزان. مقابل الإنسان العربي المهان في بلاد العربان كما حدث مع ماهر عرار العربي الأصل كندي الجنسية الذي ذاق العذاب المهين على يد بني العروبة، وهو يقيم دعوى قضائية ضد بلده؟ وفي الوقت الذي يتم تبادل الأسرى يلقى القبض على مواطن عربي لمدة سنة لأنه فتح الانترنت فقرأ موقعا للمعارضة وهو شيء مضحك لولا أنه يحدث. فهذه هي قيمة المواطن العربي في نظر الأنظمة العربية. وهذه هي قيمة المواطن في نظر الحكومة الإسرائيلية، فمتى نفتح عيوننا على الحقائق فلا نهلل للنصر المبين بل نبكي على أنفسنا وذلنا في العالمين؟.
وأحياناً أنظر في الأخبار فأصاب بالصدمة مثل الفنان الذي ترسله الحكومة إلى أفضل مصحات العلاج خارج الوطن ولا يجد المواطن العادي نفقة دخول مستشفى من الدرجة الخامسة؟ فمتى نفتح عيوننا على عيوبنا وننتقد أنفسنا؟ قد يكون "حزب الله" وأمثاله في قدرتهم طرد إسرائيل كما فعل المجاهدون الأفغان مع من هو أعظم من إسرائيل مئة مرة؛ فالاتحاد السوفييتي كان يملك من الأسلحة النووية ما يمسح أفغانستان من خريطة الوجود عشر مرات ولكنه هزم على يد أناس تدربوا على القتل. ومن تحمس لهم تبرأ منهم أخيرا. ولما خرج الاتحاد السوفييتي أقاموا دولة "الطالبان" فأهلكوا الحرث والنسل. و"حزب الله" اشترك في طرد إسرائيل ولكنه نموذج مكرر للمجاهدين الأفغان. فمن يفهم القتل وسيلة للتغيير ليس بمقدوره بناء الديمقراطية. وهذا الأمر يختلط على الكثيرين فيظنون أن القتل والتفجير هما وسيلة التغيير.
وأسلوب "حزب الله" نصح به بعض السياسيين الذين لا يرون أبعد من أرنبة أنوفهم مثل النصيحة بأخذ الأسبرين لمن كان عنده قرحة معدة. وقد يتخلص المرء من الصداع بتناول قرص الأسبرين ولكنه عند مريض القرحة قاتل بالنزف. وإسرائيل في لبنان ليست إسرائيل داخل أرض الميعاد. وقتال أفراد من الجنود ليس في مواجهة أمة تعد ستة ملايين فلا يستويان مثلا، الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون؟ وعلى فرض أن تخلص العرب من إسرائيل فخسف الله بها الأرض فلن تنتهي خلافات العرب وصراعاتهم. وزوال إسرائيل لا يعني زوال مشكلات العرب؛ فيجب أن نفتح عيوننا على هذه الحقيقة المفزعة. وهي أن مشكلتنا داخلية وأن الصراع العربي العربي هو الجوهري والأساسي وأن الصراع العربي الإسرائيلي هو الهامشي والجانبي. مثل حصول الخراجات عند مريض السكري. ولولا انهيار الجهاز المناعي العربي ما ولدت إسرائيل. وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون.