تدور أحداث بين الحين والآخر في الشرق الأوسط، تحمل في طياتها مضامين سياسية واقتصادية ذات أبعاد استراتيجية متعددة. وتبدو هذه التحركات للعيان في شكل شبكة من الاستراتيجيات الإقليمية والدولية نُسجت خيوطها حول إيران والخليج والوجود الأميركي في العراق وأمن الطاقة. هذا الأخير الذي تبدو فيه استراتيجية إيران في نقل الطاقة إلى أوروبا تتجاوز استراتيجية القوة التي تعتمدها موسكو إزاء القارة العجوز. لقد اتخذت موسكو من تجميد العمل في مفاعل "بوشهر" تعبيراً واضحاً عن رفضها تحرك طهران نحو أوروبا، إلا أن التقاطع في استراتيجية القوة لن يصل إلى مرحلة التوتر... طهران تعلم جيداً ما تحققه إستراتيجية نقل الطاقة من منافع اقتصادية وسياسية وتفاوضية بشأن الملف النووي، وتعرفُ أيضاً ما يترتبُ عن التجاذب بين أوروبا وروسيا، وربما جاء التحرك الإيراني في هذا الشأن لتحفيز حليفتها على مزيد من التعاون التكنولوجي والسياسي والاستراتيجي بعد أن شابَ سماءهما ما عكر صفوها، بل إن ذلك قد يحفز موسكو على ما هو أبعد من التعاون، إلى إنشاء منظمة لتصدير الغاز كثر الحديث عنها مؤخراً، وهذه الفكرة إذا ما تحققت فإنها تمنح الدول المصدرة للغاز قوة ونفوذاً على الصعيدين الإقليمي والدولي، والواقع أنها لن تتبلور إلا على يد دولة كبرى راغبة في تغيير هياكل القوة في النظام الدولي. ويجرنا هذا التحليل لعلاقة طهران وموسكو وعلاقات القوة، إلى أن هذه الشبكة الإقليمية والدولية دخلت عليها واشنطن بخيوط استراتيجيه جديدة بعثت الحياة في السكون الذي خيم على غريميها، فالاستراتيجية الأميركية تأتي في إطار ردعي يقوم على تسليح الدول العربية المعتدلة المتمثلة في دول مجلس التعاون ومصر والأردن، كما أنها تشمل إسرائيل لمواجهة الخطر الإيراني المتمثل في النفوذ الشيعي المتمدد في المنطقة والمتحالف مع سوريا و"حزب الله"، ناهيك عن وجود تحالف خفي مع الحكومة العراقية. إلا أن هذه الاستراتيجية تعتريها أمور تجعلها غير متماسكة؛ فإدخال إسرائيل ضمنها يجعل الدول العربية المعتدلة ترتابُ وتتوجسُ من سياسة مواجهة الخطر الإيراني، بل إن هناك اختلافاً بين الدول العربية المعتدلة في اعتبار الخطر الإيراني مسوِّغاً لإدخال إسرائيل. ومن جهة أخرى ليس لحكومة نوري المالكي الطائفيةِ مصداقية، وهي الخاضعة للنفوذ الإيراني، وبما أن استقرار العراق جزء محوري في الاستراتيجية الأميركية، فلا بد أن يكون ما ترمي إليه من تحالف هشاً. ومن مظاهر عدم التماسك وجود تحركات تخالف هذا المسعى، ومنها ما تقوم به قطر كدولة تنتهج سياسات معتدلة تجاه طهران ودمشق و"حزب الله" و"حماس"، والدليل على ذلك دورها في التقريب بين السلطة في اليمن والحركة الحوثية، ومحاولتها مؤخراً في مجلس الأمن فك الحصار عن غزة. في خضم هذه الأحداث، ما يزال النسيج يتشابك إقليمياً ودولياً، فالاستراتيجية الأميركية في تسليح الدول العربية المعتدلة وإسرائيل تبدو ضعيفة رغم أنها ذات أبعاد مهمة في إدخال طهران ودمشق في سباق تسلح يستنزف الموارد ويعطي السياسة الخارجية الصراعية أولوية تُضعِف خطط التنمية وتنهك البلدين. غير أن طهران اتجهت إلى موسكو لشراء طائرات "سوخوي"، وهو الأمر الذي آثرت موسكو التعامل معه بغض النظر عن موقفها من اتفاق نقل الطاقة إلى أوروبا، لأن دواعي تدوير المصانع الروسية، أمر قد لا يعبأ بسباق التسلح ذاته في المنطقة الذي قد ينتج عنه تصادم مستقبلاً. من موسكو إلى واشنطن، لن يخرج استقرار المنطقة عما تنسجه القوى الكبرى من استراتيجيات لبناء شبكة إقليمية تستجيب لمتطلبات المرحلة الراهنة... وواشنطن لم تنهكها أحداث العراق بقدر ما رأت فيه استحالة الاستقرار لوجود فاعلين دوليين وغير دوليين، وهو ما قد يبدو خارج سيطرتها. ومع ذلك فإن الأمر لن يُخرِج معادلة الاستقرار والأمن في المنطقة من الأيدي الأميركية، فواشنطن راغبة في خلق شبكة دول إقليمية فاعلة تدعمها في الاستقرار إدراكاً منها لأهميتها في الأمن والاستقرار وتأكدها من أن دخولها كدولة عظمى في المنطقة لا يلغي القدرة السياسية والاقتصادية والعقائدية للتفاعلات الإقليمية، وبذلك ربما تنسحب جزئياً لتُمَركِز قوتها في مواقع استراتيجية بالمنطقة. ومن هنا فإن واشنطن لن تترك إيران تنال منها، وإن تطلب ذلك في النهاية توجيه ضربة عسكرية، وهو ما قد تنوب فيه عنها إسرائيل في سيناريو شبيه لمفاعل تموز العراقي. أما موسكو فإنها تستغل ما يُنسَج من شبكات لتنسج بدورها استراتيجيات في المنطقة من تفاعلات صراعية وتعاونية مع الفاعلين الدوليين وغير الدوليين رغبة منها في زعزعة هياكل النظام الدولي القائمة. وإذا كانت واشنطن القطب الأوحد اليوم، فإن صورتها الأمنية والسياسية تتزعزع حول العالم، وموسكو مقبلة من جهتها على استغلال قوتها في الطاقة، لتحقيق هذا التغيير... فهي تبدي رغبة جامحة في تحقيق طموحاتها الاستراتيجية، ولا أدل على ذلك مما تسعى إليه من بناء قواعد في البحر المتوسط تكون سوريا مركزها. وربما أبدى الدب الروسي حنيناً إلى موطنه في القطب الشمالي فثار ينازع في ثرواته هناك هذه الأيام. ما بين واشنطن وموسكو واقع إيقاعهُ لاءات ثلاث ونعم واحدة؛ لا مبادئ تغلبُ المصالح البراجماتية، لا مقايضة على النفوذ والسيطرة، لا أمن بقيادة غربية للعالم، ونعم لإعادة موسكو إلى وضعها الدولي كدولة عظمى لا يمكن تجاهلها في معادلة النظام الدولي... وربما كانت إيران بوابة روسيا إلى العالم القديم من جديد... وواقع الحال يقول كأنما طهران تؤكد في وضعها الإقليمي والدولي حاجتها الماسة إلى موسكو في سياساتها التكنولوجية والنووية، ناهيك عن الفيتو الروسي... وكأنما روسيا تفضي بمكنون حاجتها إلى العودة بالعلاقات الدولية إلى مجد ظن الجميع أنه ولَّى وراح... وسبيلُها إلى ذلك الدخولُ من أحد ثقوب هذه الشبكة التي أخذت ترتسم في الأفق...