ما أن يذكر اسم "هنري كيسنجر" حتى تقفز إلى الأذهان صورة الرجل القوي والشخصية البارزة التي أسهمت في صياغة السياسة الخارجية الأميركية طيلة الفترة التي كان فيها وزيراً للخارجية في إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون. والحقيقة التي كثيراً ما تخفى عن عموم الجمهور، حسب أستاذ التاريخ في جامعة "ويسكونسين ماديسون" الأميركية "جيريمي سوري" في كتابه الذي نعرضه هنا، وعنوانه "هنري كيسنجر والقرن الأميركي"، أنه بعيداً عن تميزه الأكاديمي ودهائه السياسي، كان لملامحه الشخصية وتجاربه الحياتية دور كبير في تحديد مميزات الدبلوماسية التي أرسى معالمها. فالكاتب ينتقل من مجرد تتبع مسار "كيسنجر" وإنجازاته في الدبلوماسية الأميركية، والتي باتت معروفة للدارسين والمهتمين، إلى تسليط الضوء على السياق التاريخي والبيئة الاجتماعية التي أنتجت شخصية فذة أتقنت ألاعيب السياسة الدولية وحجزت لنفسها مكانة متميزة ضمن الأسماء البارزة التي سيذكرها التاريخ. فقد استقر المقام بهنري كيسنجر، اليهودي الذي فر مع عائلته من ألمانيا النازية عام 1938 عندما كان عمره 15 عاماً، في أحد الأحياء المتواضعة بمدينة نيويورك. وقد أصبح لاحقاً مستشاراً للأمن القومي في عهد الرئيسين "ريتشارد نيكسون" و"جيرالد فورد"، كما تولى وزارة الخارجية في الفترة بين 1973 و1977. وبينما يحلو لبعض الأكاديميين أن يشبهوا "كيسنجر" بالسياسي الألماني "ميترنيخ" الذي تميز هو الآخر بدهائه الدبلوماسي وساعد في إعادة رسم خريطة أوروبا بعد هزيمة "نابليون"، ينظر إليه المؤلف على أنه رجل صاغته تجاربه وظروفه الحياتية التي أوجدها المجتمع في تلك الفترة الحاسمة من التاريخ والتي تزامنت مع الحرب العالمية الثانية وأعقبتها. ولعل أهم ما أثر في تشكيل وعي كيسنجر وتأسيس فكره السياسي الذي سينعكس لاحقاً في ممارسته الدبلوماسية، هو ذلك الضعف الملازم للديمقراطية. فرغم المشاعر المعادية للسامية التي اجتاحت ألمانيا وبلدان أخرى في أوروبا، فقد كانت صدمته أقوى إزاء ما يمكن للديمقراطية أحياناً أن تفرزه عبر صناديق الاقتراع وإيصال أحزاب فاشية أو عنصرية إلى السلطة كما حدث في ألمانيا وإيطاليا قبل الحرب العالمية الثانية. ولأن كيسنجر ظل ممتناً لأميركا، لما وفرته له من ملاذ آمن ضد النازية وفظائعها بحق اليهود، فإنه لم يبخل بمشاركته إلى جانب وطنه الجديد، الولايات المتحدة، في الحرب العالمية الثانية عندما استدعي للخدمة في مكافحة التجسس بأوروبا، حيث ساهم ذكاؤه ومعرفته الجيدة بالمجتمع الألماني في نجاح المهام التي أوكلت إليه في تلك الفترة. وقبل أن يلتحق كيسنجر بجامعة هارفارد العريقة ليخط مسيرته الأكاديمية المتميزة، كان يحاضر في مدرسة للضباط الأميركيين عن المجتمع الألماني الذي خبره عن قرب. بيد أن المؤلف الذي سعى إلى إبراز العوامل المؤثرة في شخصية كيسنجر والمحددات التي ساهمت في تكوينه الفكري ورؤيته للدور الأميركي لاحقاً، لا يغفل باقي أجزاء الصورة. فإذا كان كيسنجر قد حاز اعترافاً دولياً لحنكته السياسية وتفانيه في خدمة المصالح الأميركية، مثل إسهامه في تحسين العلاقات الأميركية الصينية والتخفيف من التوتر مع الاتحاد السوفييتي، فضلاً عن دوره الكبير في توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، فإن إخفاقات أخرى تبرز إلى السطح مثل المأزق الأميركي في فيتنام وفشل الدبلوماسية في اجتراح حل مناسب يحفظ لأميركا ماء وجهها، بالإضافة إلى الصعوبات التي واجهتها الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية. وربما لهذا السبب، الذي يجعل من الصعب الحكم على تركة كيسنجر بالسلب أو الإيجاب والتعامل معها في إطار المطلق، لاسيما في ظل التحفظات التي أبداها العديد من السياسيين على أسلوبه المراوغ إلى حد الانطواء على النفس... يدعو المؤلف إلى التركيز أكثر على الدروس المستخلصة من تجربته على رأس الدبلوماسية الأميركية واستلهام الحلول الملائمة؛ سواء في العراق أو في أفغانستان. وفي هذا الصدد يشير المؤلف مثلاً إلى القيادة الجماعية التي انتهجها كيسنجر كوسيلة لترسيخ الدور الأميركي في حل العديد من القضايا العالقة وفي تعامله الناجح مع الاتحاد السوفييتي، وهو النجاح الذي ما كان ممكناً من دون مجموعة من التحالفات أقامتها الولايات المتحدة مع أصدقائها في العالم، ومن دون إطار تشاركي كفل لباقي الدول انخراطها في صياغة الراهن العالمي كما نشهده اليوم. وفيما يتعلق بالدرس الثاني المستخلص من تجربة كيسنجر، يشير الكاتب إلى مسألة الجمع بين القوة والدبلوماسية وعدم التفريق بينهما، أو اعتبارهما أمرين متناقضين. فخلافاً للرؤية الحالية التي تتبناها إدارة الرئيس بوش والقائمة على الفصل بين خياري الحرب والدبلوماسية، تثبت تجربة كيسنجر في التعامل مع الصين والاتحاد السوفييتي بأن أي سياسة خارجية لن تكون فعالة إلا إذا جمعت بين الحرب والتفاوض في وقت واحد. فليست الحرب سوى ممارسة للدبلوماسية بأساليب أخرى، كما أن الدبلوماسية هي حرب بطرق مغايرة، ولا يمكن إقصاء إحداهما على حساب الآخرى. ولعل المصاعب الراهنة التي تواجهها أميركا في العراق وفشل الإدارة الحالية في النهوض بالتحديات... راجع إلى تركيزها على الجانب العسكري وإغفالها لدور المفاوضات الدبلوماسية. لكن مسيرة كيسنجر، كما يوضح المؤلف، لم تكن دائماً موفقة، وهنا تبرز أهمية الاستفادة من الأخطاء أيضاً. فقد فشل كيسنجر في بناء توافق مجتمعي داخل أميركا حول سياساته، رغم براعته المشهود له بها، لاسيما أنه اعتمد إلى جانب الرئيس نيكسون سياسة تقوم على الخداع والسرية. ومع أن طريقته تلك ساهمت في تحقيق نجاحات، خاصة فيما يتعلق بالصين، فإنها كانت في الوقت نفسه محط شك واستياء من قبل الرأي العام. زهير الكساب الكتاب: هنري كيسنجر والقرن الأميركي المؤلف: جيريمي سوري الناشر: هارفارد يونيفيرسيتي بريس تاريخ النشر: 2007