كان مجلس وزراء الخارجية العرب، والذي اجتمع بعد ثلاثة أسابيع على مؤتمر القمة بالرياض، قد قرر إرسال وفودٍ إلى العواصم الكبرى وإلى إسرائيل لإقناعها بالمبادرة العربية للسلام. وبالفعل ذهب وزيرا الخارجية المصري والأردني إلى إسرائيل حيث اجتمعا برئيس وزرائها إيهود أولمرت ووزيرة خارجيته تسيبي ليفني وبزعماء الأحزاب السياسية الإسرائيلية. ورغم الملاحظات الكثيرة التي سمِعاها من سائر الجهات حول المبادرة، وعن تصورات البدء بالتفاوض، وعن مآلات ذلك التفاوُض وصِيَغِه؛ فإنهما في مؤتمرهما الصحفي قوّما الجوَّ الإسرائيلي تجاه عملية السلام تقويماً إيجابياً. وما كادا يُغادران فلسطين حتى كان الأميركيون يعلنون عن وصول وزيرة الخارجية ووزير الدفاع للمنطقة خلال الأيام المقبلة، لمتابعة الوضع العراقي، ومن أجل الدعوة لمؤتمر السلام الدولي في فلسطين، والذي تحدث عنه الرئيس جورج بوش قبل أسبوعين. لقد انقضت سنواتٌ منذ نهاية المفاوضات مع سوريا، ومع الفلسطينيين، اشتعلت خلالها حروب، واتُّخذت إجراءاتٌ منفردةٌ من سائر الأطراف وبخاصةٍ إسرائيل والولايات المتحدة، جعلت حتى عملَ "اللجنة الرُباعية" صعباً إن لم يكن مستحيلاً. في عام 2000، وعلى أثر فشل المفاوضات في آخِر عهد كلينتون، ظهر تقويم شارون السلبي للعملية كلّها، وبدا أنّ الأميركيين يوافقونه عليه، وأكثرهم بوش: عرفات فشِلَ في أن يكونَ شريكاً في عملية السلام؛ لذلك لا بد من ممارسة ضغوطٍ سياسية وعسكرية قاسيةٍ عليه. الضغوطُ السياسيةُ ينفذها الأوروبيون بالدرجة الأولى، والضغوطُ العسكريةُ تتكفل بها إسرائيل. كان لا بد من مواجهة الانتفاضة الثانية التي تتناقضُ من وجهة نظرهم مع الالتزام بعدم اللجوء للعنف في اتفاقيات أوسلو. وذلك بإعادة احتلال الضفة وغزة أو إبقائهما تحت النيران الإسرائيلية. وقد تصاعدت وقتَها الآمال بإمكان إخماد المقاومة، وتأمين إسرائيل من خلال الأرض المحروقة، ومن خلال بناء السور الواقي، وبالتالي تأجيل الحلّ إلى ما لا نهاية. وفي اتفاقٍ من جانب إدارة بوش الجديدة مع شارون، قال الأميركيون إنّ أسلوب كلينتون في التدخل المباشر في النزاع قد فشل وأثر على هيبة الولايات المتحدة. لذلك فإنّ الرئيس الجديد لن يتدخل خلال الـ14 شهراً اللاحقة وسيستخدم الفترة للمراجعة والمراقبة. وفي الحقيقة كان المقصود إعطاء شارون الفرصة لسحق الانتفاضة، وحسْم الصراع لسنواتٍ كثيرةٍ بحسب هذا التصور! ثم حدثت واقعة 11 سبتمبر 2001، وانطلقت الحرب العالميةُ على الإرهاب تقودُها الولايات المتحدة، وجرى احتلال أفغانستان والعراق على التوالي، ومحاصرة سائر العرب، واستهداف الإسلام. وسارع الإسرائيليون إلى الانضمام لجبهة مكافحة الإرهاب، واضعين الفلسطينيين جميعاً ضمن هذه الدائرة، وقد وافقتهم إدارةُ بوش المملوءة بصقور "المحافظين الجُدُد"، وجرى تدمير الضفة وغزة، وحوصر عرفات في مقره حتى مات عام 2004. وقد تنفّس الجميع- وبخاصةٍ الأوروبيين- الصعداء بوفاته، واعتقدوا أن وصول محمود عباس للرئاسة، والذي كان معروفاً بمعارضته للانتفاضة، سيعيد إظهار "الشريك" في المفاوضات والسلام. لكنّ شارون ما لبث أن اعتبر عباس ضعيفاً وغير ذي صدقية لأنه ما استطاع إيقاف الهجمات على إسرائيل، في حين ما استطاعت "الرُباعيةُ" التقدم في عملها لحيلولة الولايات المتحدة دون ذلك، وإصرارها على البقاء مع شارون وبرامجه مهما كلّف الأمر، وإلى حين الفوز في الحرب على الإرهاب، وتصدير الديمقراطية من العراق المحتلّ إلى العالم العربي! ووسط ظروف الحرب والحصار أطلق الملك عبد الله بن عبد العزيز مبادرته للسلام في مؤتمر القمة العربية ببيروت عام 2002. وكان ذلك إجراءً دفاعياً من جهة، واختباراً لنوايا الإدارة الأميركية الجديدة. بيد أنّ أحداً ما اهتمَّ بها، بما في ذلك الأوروبيون الذين أصرُّوا على الخطوات البطيئة للجنة الرُباعية. واعتقد الإسرائيليون أنهم كسبوا الحرب دونما حاجةٍ للتفاوُض أو العودة إليه أو حتى التطبيع مع العرب المحاصرين والمتعبين بعد أحداث سبتمبر. لذلك انسحب الإسرائيليون من غزة التي كانوا قد أعادوا احتلالها (2001-2003)، وأكملوا بناء السور الواقي، ورموا الفلسطينيين وراءه مقدِّرين بذلك أن يشتد الصراع على السلطة بين "فتح" و"حماس" فيتلهى الفلسطينيون بأنفُسهم. لكنْ في عام 2005 بالذات، بدأت التصدعات تظهر على سائر الجبهات. فـ"حزب الله" ظلّ على سلاحه عند الحدود مع فلسطين، و"حماس" ظلّت تُطلقُ الصواريخ على المستوطنات الإسرائيلية. والأهمُّ من ذلك أنّ الأميركيين فشلوا في العراق، وبدأوا يفشلون في أفغانستان، بينما ظلت "القاعدة" تعملُ في سائر الأنحاء. وما اعتبر الإسرائيليون استمرار الوضع على ما كان عليه مبرراً لتغيير سياساتهم، ولا للعودة لطاولة المفاوضات. فـ"حماس" على أي حال لا تقبل التفاوض ولا الاعتراف بإسرائيل، والعرب ما يزالون يتحدثون عن السلام الشامل والعادل. لذلك عندما غاب شارون عن المسرح وخلفه أولمرت، دخل الأخير معركته الانتخابية بخطةٍ للانطواء، أي الخروج جزئياً من الضفة الغربية، والاعتصام وراء الجدار العازل. ثم جاء أسر الجندي في غزة، وجاءت حرب يوليو، فازدادت المرارة الإسرائيلية، وانتهى كل حديثٍ عن التفاوُض مع الفلسطينيين، أمّا الوضع على الحدود مع سوريا فما كان مزعجاً ولا يزال كذلك؛ ولهذا فالسؤال: ما هي "المكاسب" التي ستُحقِّقُها إسرائيل من وراء السلام المتفق عليه و"التنازلات"، مادامت الأصولية المقاتلة، السنية والشيعية، هي التي تسودُ المشهد، وهي لا تقبل الاعتراف بإسرائيل ولا تتفاوضُ معها؟! لماذا إذن كثُر الحديث عن السلام وصولاً لدعوة الرئيس بوش لمؤتمرٍ دوليٍ في الشهرين القادمين؟ السببُ في ذلك الأميركيون والعرب. فالأميركيون فشلوا في العراق وما استطاعوا إخمادَ نشاط "القاعدة"، والحلفاء العرب ما يزالون يصرون على السلام الشامل والعادل. أما العربُ أنفُسُهم فقد استعادوا زمام المبادرة في مؤتمر القمة بالرياض، وجددوا إطلاق المبادرة العربية للسلام الشامل والعادل، وما عادوا مستسلمين للحصار والتجاهُل، وهم يخشون أنه من دون إقبالٍ على سياساتٍ جديدةٍ تتصدّى للتخريبين الأميركي والإسرائيلي؛ فإنّ التشققات ستزدادُ في بلدانهم، وسيتعذَّرُ في المدى القريب تلافي حدوث اضطراب في عدة بلدانٍ بالمشرق العربي. على أنّ هذا التصرفَ الأميركيَّ، والذي يقفُ معه العرب، لن تكونَ له النتائج المتوخَّاة إذا لم ينجح في إخراج الصهاينة من هذا العجز الذي يشلّ الإرادة والواقع. بيد أنّ الأمر الآخَر الذي يجعلُ من العودة لمفاوضات السلام أمراً ممكناً، يتمثل في الشمول والعدالة. فلن تتقدم الجهود من أجل السلام كثيراً إذا اقتصرت على فلسطين، ولا بد أن تضمَّ الجولان السوري كذلك. إذ المعروف أنّ إيران وسوريا تعتبران نفسيهما جزءاً من نهجٍ متكاملٍ هو نهج المقاومة، مقابل نهج الاستسلام. وقد بُذلت جهودٌ عربيةٌ وغير عربية في السنتين الأخيرتين لتأمين سوريا أو فصلها عن إيران دونما جدوى. وبالسلام الشامل والعادل تستعيد سوريا أرضها. وإذا كان هذان الشرطان ضروريين لإحياء عملية السلام، فمن الضروري أيضاً أن تكون الولايات المتحدة جادّةً في لَعِب دور نزيه ومُحايد، ومن ضمن النزاهة والحياد، ليس فقط عدم التحيُّز لإسرائيل، وإنما أيضاً أن لا يكونَ الجهدُ الجديد مجرد وسيلةٍ لخروجٍ مُشرِّفٍ من العراق؛ بل العودة للنهج السلمي بدلاً من الاستيطان والغزو العسكري. وفي الخلاصة فإنّ السياسات العربية الجديدة من أجل التسوية والاستقرار، لا تتطلب استجابةً إسرائيليةً وأميركيةً فقط؛ بل تتطلب كذلك إجماعاً عربياً صلباً غاب في السنوات الأخيرة. فهل يتلاقى المؤتمر الدوليُّ للسلام الذي تدعو إليه الولايات المتحدة، مع المبادرة العربية، من أجل عهدٍ جديد في المنطقة؟! هذا ما يأمُلُهُ العرب، ويرجوه الأوروبيون، وربما يجد فيه "حكماء" صهيون إنقاذاً لهم من الحروب الأبدية، ومن البقاء تحت وطأة التهديد.