إن مستوى التطوّر الاقتصادي في أي دولة يقاس في المقام الأول بالدور الذي يلعبه القطاع الصناعي في اقتصادها القومي، وحجم ونوعية إسهامه في الناتج المحلي الإجمالي، وبذلك تعرف الدول "المتقدمة" اليوم بالدول "الصناعية"، أو العكس بالعكس. وفي دولة الإمارات استطاع هذا القطاع أن يحقّق طفرات كبيرة تمثّلت في زيادة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي، ولعب دور محوري في تنفيذ الاستراتيجيات التي تنتهجها الدولة لتنويع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الوطني، كما شهد تحوّلات مهمّة في دخول الدولة في مشروعات صناعية مشتركة مع عدد من المؤسسات العالمية، وإصدار قوانين جديدة، وإقامة مناطق صناعية ضخمة لجذب الاستثمارات للقطاع الصناعي، حيث اهتمّت كل إمارة بإنشاء المناطق الصناعية ذات البنية المتطوّرة والتي تحتوي على المرافق والخدمات الأساسية. إلا أن هذا القطاع، رغم أهميته الاستراتيجية، لم يعد محطّ اهتمام المواطن أو الجهات المعنية برسم سياسات التوطين، حيث تبين إحصاءات وزارة المالية والصناعة أن نسبة المواطنين العاملين في هذا القطاع تعادل أقل من 2% من مجموع العاملين في هذا القطاع، والذي تعوّل عليه الدولة كثيراً في بناء اقتصاد متطوّر قادر على الحفاظ على معدلات نمو مستقرة، حيث وصلت مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي إلى 13%، بينما يصل عدد العمالة الوافدة في هذا القطاع إلى أكثر من 260 ألف عامل. فالعنصر المواطن لا يزال يشكّل حلقة مفقودة في القطاع الصناعي، رغم أهميته، ما يتطلّب اتخاذ خطوات عملية لتصحيح هذا الخلل. إن المؤسسة العليا للمناطق الاقتصادية المتخصّصة في أبوظبي بدأت تتخذ خطوات عملية في هذا الاتجاه، حيث أعلنت، مؤخراً، عن خطط لإنشاء وتوفير مراكز متقدّمة للتدريب والبحوث الصناعية، بالتعاون مع بعض المؤسسات المتخصّصة في الدول الصناعية، لتأهيل جيل من الشباب المواطن على درجة رفيعة من الكفاءة المهنية في القطاع الصناعي، حيث تأتي هذه الخطوة المهمّة في مضمار توجّهات أبوظبي نحو الدول الصناعية المتقدّمة لاختيار الأنسب والأكثر خبرة في مجالات العمل الصناعي المختلفة. لا شكّ في أن مثل هذه التوجهات تشكل أساساً لصناعة وطنية كاملة النمو ومتطورة في المستقبل، إلا أن درجة نجاحها تعتمد على اتخاذ خطوات وسياسات أخرى في مسارات موازية، وفي مقدّمتها بلورة استراتيجية توعوية مدروسة تحرّر الشباب المواطن من الارتباط بقوالب نمطية سلبية عن مهن ووظائف معيّنة. إن تشجيع المواطنين على الانخراط في العمل بالقطاع الصناعي يتطلّب تعديل القناعات السلبية التي سادت والتصقت بمهن ووظائف هذا القطاع. إذا كان ذلك من جانب الشباب المواطن، فإن الشركات الصناعية الكبرى العاملة في الدولة لديها أيضاً قناعات سلبية، ولكن باتجاه المواطن، ما يعني أيضاً ضرورة تصحيح هذه القناعات، ودفع هذه الشركات، بشتى الأساليب الممكنة، نحو تأهيل وتدريب وتوظيف العناصر الوطنية، على أن يتم كل ذلك من خلال خطة شاملة تسهم في إخراجها جميع الجهات المعنية، ما يؤدي إلى إيجاد جيل جديد من الكوادر الوطنية من المتخصّصين في المجالات الصناعية المختلفة. ومما يدعم هذه التوجّهات جميعها، ضرورة إعادة هيكلة القطاع الصناعي نفسه، والانتقال به من مرحلة تقليدية تعتمد على عمالة كثيفة إلى صناعة تقوم على المعرفة والتكنولوجيا المتقدّمة والعمالة الماهرة ورأس المال الكثيف، بحيث تحلّ التقنية الحديثة محلّ العمالة غير الماهرة. عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.