اهتمت حكومة دولة الإمارات في خطتها الاستراتيجية التي أعلنها مؤخراً صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بالتنمية الاجتماعية كأحد المحاور الرئيسية في الخطة، وصرح سموه في إعلانه للخطة بأنها تستهدف "الارتقاء من مفهوم الرعاية الاجتماعية إلى مفهوم التنمية الاجتماعية، وتوسيع العمل التعاوني، والإرشاد الأسري، وتطوير جمعيات النفع العام والبرامج المخصصة للمرأة والطفل وذوي الاحتياجات الخاصة". وبدأت وزارة الشؤون الاجتماعية بإعداد برامج العمل والخطط المناسبة لتحويل هذه الرؤية إلى واقع بخطة عمل لثلاث سنوات أعلنت عن مضمونها معالي وزيرة الشؤون الاجتماعية مريم محمد خلفان الرومي في حديث شيق نشر في جريدة الاتحاد بتاريخ 3 يونيو 2007، وقد بينت فيه تحديات العمل الاجتماعي في دولة الإمارات ومكامن الضعف المجتمعية والظواهر السلبية التي تعززت في مجتمع الإمارات... حوار يستحق أن نتوقف عند مفرداته والحلول التي تشخصها الوزيرة باعتبارها، وقبل أن تتولى المنصب، ضليعة في العمل الاجتماعي ومطلعة على دقائق مجتمع الإمارات. يستوجب طرح مفهوم دولة الرعاية الاجتماعية العودة إلى نشأة الدولة الاتحادية، فقد اصطلح الباحثون الاقتصاديون والاجتماعيون على نعت الدولة في منطقة الخليج، بأنها "دولة ريعية"، يقصد بذلك أنها دولة نفطية تحصل على عوائد مالية ضخمة من الريع الخارجي للعائدات النفطية بشكل منتظم، يمكن حكومات الدول في هذه المنطقة من الإقدام على برامج إنفاق عام ضخمة على البنى التحتية والخدمات الاجتماعية والتعليمية والصحية وغيرها، وتقديم امتيازات لمواطنيها من دون الحاجة لفرض ضرائب عليهم، ومن دون الوقوع في عجز في ميزان المدفوعات أو مصاعب تضخمية. لذلك اعتُبِرتْ هذه الدول، وبالمفهوم الاجتماعي، نموذجاً لدولة الرفاه وتنتظم العلاقة بين الحكومة والمجتمع في علاقة يمكن تبسيطها بأنها تشبه الأمومة، بمعنى أن الحكومة تحمي الابن (المجتمع)، لكنها تعامله على أنه طفل. وعبر السنوات، تعززت علاقة المجتمع بالدولة كعلاقة أخذ في الوقت الذي مكنت هذه العلاقة الدولة من تطوير بنى المجتمع المدنية، وذلك في مجتمع عانى أجداده من شظف العيش، لكن سرعان ما تأسست فيه ثقافة مجتمعية اتكالية تبرز في عدد من القضايا سواء في مطالبة الدولة بتوفير وظائف حكومية مناسبة لمواطنيها أو في خلق حياة منزلية تتكل على جيوش من خدم المنازل. وقد ذكر الشيخ محمد بن راشد في خطابه أن نسبة العمالة المنزلية تبلغ حوالي 10% من العمالة الوافدة، مشيراً إلى أن "بعض الأسر لديها عمالة منزلية أكثر من عدد أفراد الأسرة ذاتها، ومعظم الأسر لديها عمالة منزلية تزيد على حاجتها، وأحياناً يدخل ارتفاع العدد في مجال التفاخر والتباهي"، مما يؤدي في النهاية إلى وجود جيل اتكالي آمر. وفي حديث وزيرة الشؤون الاجتماعية، تذكر الوزيرة بأن أهم تحديات العمل الاجتماعي هي ثقافة أفراد المجتمع التي ترتكز على أن الدولة هي "الضامن والمانح للخدمات الاجتماعية والدليل على ذلك أن 54% -18 ألف حالة– من إجمالي عدد المستفيدين من قانون الضمان الاجتماعي، هم أفراد في سن العمل؛ مثل "المطلقات والبنات غير المتزوجات والمعاقون"، مشيرة إلى أن مشاركة هذه الفئات محدودة في سوق العمل بسبب ثقافة الاتكالية السائدة بينهم. وعامة فإن كل الدول تقريباً تلجأ إلى توظيف الإنفاق الحكومي العام لنيل رضا وكسب ولاء المواطنين، سواء في النظم الديمقراطية أو غيرها، وبذلك فالحكومات الخليجية مارست سياسات دولة الرفاه؛ من تعليم مجاني وخدمات صحية ومساعدات اجتماعية، وعبر السنوات الماضية. ونحن في تشخيصنا لمفهوم الرعاية الاجتماعية وانعكاساته على القطاعات الاجتماعية لا نلقي باللائمة على أي من طرفي العلاقة، أما اليوم فالدولة بحاجة لإحداث نقلة مجتمعية نوعية على مستوى الأفراد والمؤسسات، نقلة تهدف إلى الانتقال من مفهوم الرعاية الاجتماعية إلى مفهوم التنمية الاجتماعية. عملية التنمية الاجتماعية عملية مستمرة تستند الى آليات شاملة تستهدف إحداث نقلة اجتماعية تتوازى وتتكامل معها التنمية الاجتماعية والسياسية في عملية شاملة. وإذا كانت وزارة الشؤون الاجتماعية قد أخذت على عاتقها، كجهة اختصاص اتحادية، الاطلاع بإحداث هذه النقلة الاجتماعية الشاملة؛ سواء بتشخيص الواقع الاجتماعي أو بترسيخ مفهوم المسؤولية الاجتماعية والشراكة الاجتماعية، فالعمل الاجتماعي بطبيعته لا يقوم على نحو صحيح طالما كان معتمداً على دعمه بالآليات الحكومية، وإنما يتطور بتطور رؤية ومساهمة المجتمع من أفراد ومؤسسات، وهذا ما تركز عليه الاستراتيجية الاجتماعية من خلال تفعيل صندوق العمل الاجتماعي وتفعيل الشراكات الفاعلة مع القطاع الخاص في الدولة كجهة داعمة وراعية للعمل الاجتماعي. لكن الإشكالية التي تواجهها وستواجهها الوزارة، هي تغيير الثقافة المجتمعية وتفعيل مكونات المجتمع المدني، وتعزيز مفهوم المسؤولية المجتمعية التي نشأ عليها أجدادنا والتي تقوم على التضامن والرعاية. إن إحياء القيم الإسلامية التي تحض على العمل بمسؤولية ونبذ الاتكالية والتأكيد على أن العلاقة بين الفرد ومجتمعه علاقة تفاعلية وتكاملية تعززها الجهات الحكومية... ضرورة عملية في عالم اليوم. إن الانتقال السريع لمجتمع الإمارات منذ نشأة الدولة الاتحادية، بفعل النمو الاقتصادي والانفتاح الاجتماعي، خلق مشاكل اجتماعية مستحدثة؛ كالعنف الأسري والهجران وانحراف الأحداث... وكلها مشاكل لها انعكاساتها الخطيرة على المجتمع، لاسيما في ظل اختلال التركيبة السكانية الذي يفرض مزيداً من الضغوطات على الهوية الوطنية والثقافة العربية، إن إحياء الروح الجماعية في مجتمع لا تسيطر عليه المادية ولا تحكمه قوانين السوق، وتحجيم النزعة الفردية التي برزت في مجتمع الإمارات... لأولوية مجتمعية تقع على عاتق مثقفي مجتمع الإمارات الغائبين عن المشهد الاجتماعي. ينبغي في نهاية المطاف الإقرار بأن الدولة تمر بتحولات وبمخاض عسير، فدولة الرعاية الاجتماعية جلبت معها منافع لا يستهان بها، لكنها أفرزت تناقضات مجتمعية أعاقت تطور المجتمع، إن إحداث نقلة في أدوار دولة الرعاية الاجتماعية سيواجه بمشكلات اجتماعية تفرزها التغيرات السريعة والقرارات الفوقية، كحجب المساعدات الاجتماعية عن فئات معينة أو ربطها بشروط، وينبغي التأكيد على دراسة تجارب مجتمعات مرت بتحولات اجتماعية للانتفاع منها، واستحضار تجارب الشعوب مفيد حتى لا يقع المجتمع في أخطاء فادحة قد تنعكس على مستقبل أجياله. وتبقى حقيقة أساسية وهي أن ملحمة التنمية هدفها الإنسان ومحورها الإنسان أولاً وأخيراً.