أسأل نفسي دائماً ماذا سيقول عنــّا التاريخ نحن السياسيين اللبنانيين؟ ماذا سيقول عنـّا أبناؤنا؟ كيف يفكرون فينا؟ ماذا سيقول عنـّا الجيل الجديد؟ مـاذا فعلنا بلبنان؟ ما المسافة بين قناعاتنا وشعاراتنا وممارساتنا؟ وأضع نفسي أمام كل حدث في موضع المساءلة الذاتية وفي مواجهة مع الضمير وأتذكر دائماً ما كان يقوله رجل كبير من بلادي -رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي الشهيد كمال جنبلاط-، في مخاطبته للحزبيين: "إذا خيـّرتم بين ضميركم وحزبكم فاختاروا ضميركم". وكم يحتاج هذا الأمر إلى صفاء واستقرار داخلي، والى شجاعة أدبية وانتصار على الذات، وإلى أقوياء في نفوسهم. والسؤال يفرض نفسه اليوم أكثر من أي وقت مضى عندما نتحدث عن الحوار بين اللبنانيين بعد أن بلغت الانقسامات والخلافات حدة لم نشهد لها مثيلاً في السابق، وبلغت القطيعة حداً خطيراً لم تشهده الحياة السياسية اللبنانية من قبل أيضاً. ففي أصعب أيام الحرب الأهلية، كان التواصل بين القادة قائماً بشكل مباشر أحياناً عبر صيغ وأشكال مختلفة وبشكل غير مباشر عبر وسطاء وموفدين وأصدقــاء ومسؤولين. وكانت ثمة قواعد للعبة احترمها الجميع إلى حدود بعيدة. بل أقول كانت ثمة ضوابط التزم بها معظم اللاعبين. اليوم ومنذ أشهر ليس ثمة تواصل بين القادة اللبنانيين. الكل يتحدث عن الحوار وليست ثمة قناة حوار جدية مفتوحة بينهم. الكل يتحدث عن الشراكة والمواطنة وليس ثمة اعتراف شريك بآخر. المسافات بين مقرات المسؤولين لا تتعدى الدقائق بالسيارة فلا لقاء ولا تواصل ولا حوار. بل ينتظر هذا المسؤول لقاء سفير أجنبي أو عربي بالمسؤول الآخر ليطلع على رأيه. والكل يشكو من التدخل الخارجي. نعم هذه هي الحقيقة نحن لا نتحدث إلى بعضنا البعض فماذا نعلـّم أولادنا؟ وما هي هذه السياسة؟ وكيف تحل المشاكل؟ وكيف تبنى الأوطان؟ وكيف تترسخ الشراكة؟ هل يمكن أن تكون شراكة بيننا يرسم معالمها وأسسها ومبادئها وقواعدها الآخرون ويكونون الحكام (بمعنى الحَكم) والحاكمين في الوقت ذاته بطريقة غير مباشرة؟ أهذا هو ضمان الشراكة واستمرارها؟ والسياسة تُعلـّم. بل من المفترض أن تعلـّم. والحياة تعلـّم. بل من المفتـرص أن تعلـّم. فهل يعقل أن يكون بيننا رموز لا يتعلمون ولا يريدون أن يتعلموا لا من الحياة وتجاربها ولا من السياسة وتجاربها ولا من السياسيين الذين سبقوهم وتجاربهم؟ لقد عجزت الدول العربية ودول العالم الصديقة عن إقناع اللبنانيين بالالتقاء في لبنان. بقي مجلس النواب مقفلاً. بقي رفض العودة إلى طاولة الحوار قائماً. ثم فجأة وافق الرافضون على الذهاب إلى باريس. وباريس عاصمة دولة أوروبية كبرى لها خصوصياتها في العلاقة مع لبنان ولدورها أثر كبير على الساحة اللبنانية وفي المحافل الدولية. كثيرون سألوا: ولماذا فجأة بات الحوار ممكناً في سان كلو في ضاحية باريس؟ ولماذا اللقاء سهل في "سان كلو" ويكاد يكون مستحيلاً في بيروت؟ أليس من الأجدى اللقاء على الأرض اللبنانية ليتفاهم اللبنانيون بين بعضهم البعض؟ ما هذه الصورة التي يصر البعض على تقديمها عن اللبنانيين أمام العالم؟ فريق له علاقة جيدة مع فرنسا لا يستطيع إلا أن يذهب إليها. وفريق آخر كانت علاقته سيئة ويعتبر أن ثمة فرصة وأبواباً مفتوحة اليوم فلا بد من الذهاب. وفي كل ذلك الحسابات ليست حسابات حوار صادق وصاف ورغبة في الوصول إلى نتائج! إنه لمشهد مؤلم حقاً. لقد ملّ اللبنانيون صور المتحاورين هنا وهناك يلتقون ينضبطون. يضبطون ألسنتهم وإيقاع حركتهم وتصرفاتهم على إيقاع لائحة الطلبات التي ألزمتهم الدول المضيفة المشكورة بها. ويريد اللبنانيون في مواقعهم المختلفة الخلاص. يعني حتى الذين يتعصبون إلى حدود بعيدة لهذا الفريق أو ذاك يريدون حلاً وينتظرونه من أي مكان لكن عدم إنجازه يعزز العصبيات والخلافات. وربما كان الحق على اللبنانيين الذين لا يحاسبون، كل في بيئته ومنطقته على أساس قناعاته ومتابعته للتطورات في بلده. الحوار في لبنان غير ممكن. أما في سويسرا ممكن، ولو من باب النقاش الأكاديمي أو ما يسمى بالمجتمع الأهلي. والمشاركون ممثلون في النهاية للذين لا يتحاورون في لبنان. وبعد سويسرا "سان كلو". مع كل الترتيبات والمظاهر في أحد أهم وأرقى القصور الفرنسية، وذلك لتغطية قصور اللبنانيين في الحوار في بلدهم. وبعد "سان كلو" محاولة ألمانية من مؤسسة مدنية. وقبل هذه وبعد تلك هجمة مبادرات ومحاولات وموفدين ووسطاء. الكل في الخارج يبحث عن الصورة في لبنان، أما صورة اللبنانيين، فليست مشجعة ولا علاقة لها بلبنان، الذي نعرفه ولبنان الذي نريد. لا لبنان التنوع والصيغة الفريدة في المنطقة وحوار الثقافات والحضارات، ولا لبنان المقاومة المنتصرة على إسرائيل وجيشها الذي كانت صورته أنه لا يقهر. ما يجري في لبنان، هو قهر للبنان وللبنانيين بسبب الأحقاد وسياسات التناحر والعناد لمصلحة دول وقوى خارجية لا تريد إلا مصالحها وهي تريد استخدامنا واستخدام بلدنا الى جانب فلسطين والعراق لتحقيق غاياتها وتصفية حساباتها. وكل ذلك على حساب ودماء النخب اللبنانية من سياسيين ومفكرين وكتاب وصحافيين ومثقفين ودماء الأبرياء، وعلى حساب الجيش الوطني. وأبشع مظاهر الانقسام والعناد والمغامرة والمخاطرة بأمن البلد واستقراره كله هو أن يترك البعض الجيش، وأن يتهم الحكومة لأنه لا يستطيع اتهام الجيش حتى إن كان غير مرتاح لدوره، بما جرى في مخيم "نهر البارد". فهل يعقل أن تأتي عصابة من الخارج لا علاقة لها بفلسطين ولبنان ولا بالفلسطينيين واللبنانيين وتصادر مخيماً وتخطف المقيمين فيه وتتسبب في دماره وفي كارثة كبيرة ويصبح الحق على غيرها، ولا يكون حوار مبني على معطيات ومعلومات ووقائع وحقائق؟ على كل حال، لا سبيل أمام اللبنانيين إلا الحوار، الذي يؤدي إلى انتخابات رئاسية في مواعيدها بعيداً عن المزايدات بنصاب الثلثين وغير ذلك لسبب بسيط، وهو أن أكثر المطالبين باعتماد الثلثين يقولون: إذا لم يكن الرئيس معنا فلن نأتي إلى الجلسة ونحن في ذلك نمارس حقنا الدستوري! وبالتالي رفعوا الشعار وأسقطوه واسقطوا الاستحقاق والفرصة التي يمكن أن تشكل مدخلاً لحل سياسي قائم على تكريس صيغة الطائف وتوازناتها، كي لا ندخل في مشاكل مذهبية وطائفية جديدة وعلى التمسك بطبيعة التنوع في البلد والعمل على بناء الدولة ومؤسساتها القوية التي تحمي جميع اللبنانيين. إن ذلك لا يتم إلا بالحوار الذي يجب أن يستمر بعد "سان كلو" في بيروت لتطرح كل الأمور على الطاولة إذا استمر المعترضون على الخصخصة في لبنان ينتظرون العروض من الخارج للقاء الحوار فيكرسون خصخصة الحوار ويلزّمونه لهذه الجهة أو تلك دون أفق أو نتيجة.