لقد أثارت السرعة والفعالية، اللتان كشفت بهما كاميرات المراقبة المنصوبة في شوارع العاصمة البريطانية لندن، إرهابيي التفجيرات المحتملين، نداءات عاجلة لنصب شبكات دوائر الكاميرات التلفزيونية المغلقة هذه في الولايات المتحدة الأميركية. وفي أول جهد أمني من هذا النوع في أميركا، تخطط مدينة نيويورك جدياً لنصب نظام رقابي مرئي دائم كهذا، في مانهاتن، بنهاية العام الحالي. وفي إطار الصراع الدائر ضد الإرهاب داخلياً، يرى دعاة النظام الرقابي هذا، أنه يمثل أداة مهمة من أدوات الإثبات الجنائي، فضلاً عن كونه أقوى رادع للإرهابيين الأشد عزماً وتصميماً على تحقيق أهدافهم الدموية. ومن المزايا الأمنية التي تقدمها هذه التكنولوجيا المرئية، أن دائرة الكاميرات المغلقة، تمكن قوات الشرطة والأمن من تحسين مستوى فحصهم للأغراض المشتبه بها، فضلاً عن تمكينهم من رؤية أشياء تقع على مبعدة منهم بمئات الياردات، وتمكينهم من التعرف على لوحات ترخيص السيارات المسرعة، إلى جانب توفيرها لمادة أرشيفية ضخمة من الصور القابلة للمراجعة والفحص، خاصة المتعلقة منها بحالة أمنية معينة. هذا ويتوقع تشغيل أول 115 كاميرا من هذه الكاميرات بحلول نهاية العام الحالي، بينما يمكن أن يصل عددها إلى 3 آلاف بحلول عام 2010. وسوف يكون ثلث هذا العدد مملوكاً لإدارة شرطة نيويورك، بينما تعود ملكية الثلثين الآخرين إلى شركات ووكالات الأمن الاستثمارية الخاصة. ووفقاً للخطة المرسومة لتطبيق هذا النظام، فمن المتوقع أن يتم تجميع كافة الصور الملتقطة في مركز موحد، تديره كل من شرطة نيويورك والشركات والوكالات الأمنية الخاصة. أما "برايان جنكينز"، خبير مكافحة الإرهاب بشركة "راند" فمن رأيه أن هذا النظام يجعل البيئة العملياتية أكثر خطراً على الإرهابيين، وخاصة الذين يخططون منهم لتنفيذ العمليات الانتحارية. وبالنتيجة فإن في وسع هذا النظام المساهمة في خفض عدد المهاجمين، وخفض عدد القنابل والمتفجرات، التي يمكن استخدامها في تلك الهجمات، على حد سواء. ولدعم تحليله هذا بالأمثلة العملية، أجرى "جنكينز" مقارنة بين التفجيرات التي شهدتها مدريد عام 2004، وتلك التي حدثت في قطارات مومباي العام الماضي من جهة، ثم ما شهدته لندن من التفجيرات ذاتها في عام 2005، من الجهة الأخرى. ففي الحالتين الأوليين، وضع المفجرون القنابل في مواقع الأهداف المحددة لتنفجر تلقائياً وتردي قتلاها، الذين تجاوز عددهم المئتي ضحية في أي منهما. بينما كان منفذو الهجمات على القاطرات البريطانية من الانتحاريين الذين حملوا القنابل على ظهورهم، وفجروا أنفسهم دون أن يتجاوز عدد ضحاياهم الـ52 قتيلاً. وعلى رغم أن مصرع 52 ضحية لا يزال يمثل حدثاً مأساوياً، فإنه أفضل من سقوط 200 في هجوم واحد، على نحو ما حدث في كل من مدريد ومومباي. إلى هنا نصل إلى تفسير "جنكينز" لانخفاض عدد القتلى في هجمات لندن المذكورة. ويتلخص هذا التفسير في تمكن الشرطة البريطانية من التعرف السريع على منفذي الهجمات، بفضل استخدام الصور المبثوثة من كاميرات الرقابة المنصوبة في المواقع التي استهدفها الإرهابيون. وقد تكرر الاستخدام الناجح لهذا النظام الرقابي المرئي، تارة أخرى عندما تمكنت شرطة لندن من التعرف الفوري على هوية الجناة وأعوانهم المحتملين في المحاولة الأخيرة التي حدثت بتاريخ 29 يونيو المنصرم، ما ساعد على ملاحقتهم وإلقاء القبض عليهم. ومن رأي "جنكينز" أن ذلك الإجراء قد عجل بدوره بالتحقيقات التي أجريت حول تلك المحاولة، ومن ثم طمأنة الجمهور على أن المتورطين في تلك الأحداث لم يعودوا طلقاء، حتى يتسنى لهم تكرار ما فعلوه. وبذلك فقد أسهم نظام الكاميرات إسهاماً مقدراً في انحسار موجة الذعر العام التي أمل المهاجمون في بثها بين أوساط الشعب البريطاني. لكن وفي الطرف الثاني، هناك المعترضون على التكنولوجيا هذه، تأسيساً على وصفهم لها بأنها تنتهك خصوصية الأفراد، لكونها مفتوحة أمام سوء الاستخدام والاستغلال، ولذلك فهي تثير جملة من الأسئلة الدستورية الخطيرة. ويطعن المنتقدون لاستخدامها بالقول إنها ليست عديمة الجدوى في مكافحة الإرهاب والانتحاريين التفجيريين فحسب، بل ربما يسعى هؤلاء لاستخدام صور الفيديو نفسها في تعظيم أفعالهم القبيحة والإعلاء من شأنها. يذكر أن نظام الرقابة المرئية البريطاني كان قد تم تطويره خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات بهدوء ومن دون أن يثير جدلاً عاماً يذكر، لكونه استجابة أمنية فرضتها ظروف مواجهة الهجمات التي كان يشنها مقاتلو "الجيش الجمهوري الأيرلندي" على البريطانيين. وما أن حل عقد التسعينيات، حتى تحول هذا النظام إلى أفضل حلقة أمنية في وسط العاصمة لندن، سرعان ما أطلق عليها اسم "الحلقة الحديدية"، وذلك بفضل تحسن التكنولوجيا التي يستخدمها هذا النظام. غير أن الاختلاف بين بريطانيا والولايات المتحدة، هو أن لكلتيهما نظاماً دستورياً جد مختلف عن الأخرى، على حد قول الخبراء والمشرعين القانونيين. فالنظام الدستوري الأميركي، يتطلب إدارة حوار عام غني قبل إجازة أي تشريع قانوني يخول الحكومة بنشر طوق أمني رقابي من عدسات الكاميرات حول المدن. وقد أكد "رونالد ماركس"، الزميل الرئيسي بـ"معهد دراسات الأمن الوطني"، في جامعة جورج تاون، هذه الحقيقة بقوله: نحن لم نشرع بعد حتى في مناقشة ما يعنيه هذا النظام، وتأثيراته المحتملة، خاصة على خصوصية المواطنين. وفيما أعلمه فإن نظام الكاميرات التلفزيونية المغلقة يُعرف بدقته وكفاءته العاليتين في التعرف على الأفراد ورصد تحركاتهم وسلوكهم بصرياً، غير أني لا أزال أجهل الطريقة التي ستساعد بها في وقف الأفراد عما يريدون تنفيذه على وجه التحديد. ألكساندر مارك كاتب أميركي متخصص في الشؤون العلمية ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"