موزة غباش يورد يوسف الحاج في كتابه "في سبيل الحق: هيكل سليمان أو الوطن القومي لليهود"، والذي تناولنا مقاطع منه في مقالات سابقة (وهو للتذكير صادر عام 1934)، أفكاراً ومقتطفات من دراسات حول نظرة اليهود إلى عودة المسيح، يمكن أن تفسر ما يقوم به صهاينة هذا العصر في فلسطين، يدعمهم في ذلك مسيحيون تصهينوا وباتوا ينظرون إلى خلاص العالم، وخلاص اليهود أساساً، من خلال الدمار الذي يجب أن يصيب العالم! ثمة فئة من يهود العالم، تعتقد أن ليس هناك وسيلة للخلاص سوى بالدم الذي يغمر العالم لتقوم المملكة الموعودة، و"أن مملكة العالم كاملاً ستكون في أورشليم، وستغرق الإنسانية في بحر من الدماء، وتبقى راية الشعب الإسرائيلي مرفوعة فوق العالم كله". فهؤلاء يعتقدون أن ما جاء في نبوءات بني إسرائيل سوف تتحقق حرفياً. وهذه النبوءات تتعلق أساساً بخراب العالم من أجل هيمنة الدولة العبرية، هذه الدولة التي ظلت حدودها مفتوحة على شرق فلسطين وشمالها وجنوبها، فهي بلا حدود. ولو نظرنا اليوم في مستوطنات العدو الصهيوني في فلسطين المحتلة، لوجدنا صدى وتكريساً لهذه الرؤى الدموية، فهناك فئة لا ترى حلاً أو خلاصاً لليهود إلا عبر إبادة الآخرين -غير اليهود (الغوييم)- لكي تصفو لهم الأرض والملك والوصول إلى الوعد الإلهي المزعوم. وهؤلاء يعملون في مواجهة العالم كله، ولو ملكوا القوة الكافية لما تركوا غيرهم على وجه البسيطة... نحن إذن حيال جماعات شديدة التعصب، وشديدة التعطش للدم، فهو سبيلهم إلى ما يسمونه الخلاص اليهودي، لذلك نتذكر مقولات من قبيل "العربي الجيد هو العربي الميت"، ويمكن أن نستذكر إحراق المسجد الأقصى عام 1969، ونستذكر الهجوم على المصلين في الحرم الإبراهيمي وقتل المئات، ونتذكر الكثير من المجازر التي يرتكبها العدو الصهيوني بقلب بارد وعين لا يرفّ لها جفن... فذلك كله يتم ضمن خطط مدروسة وموجهة للإبادة الجماعية. هنا إذن يختلط الديني بالسياسي، وتسود نبرة الهيمنة اليهودية باسم الرب، لكنها تجد مساندة عارمة من قوى سياسية كبرى تتبنى "نبوءاتها" وتدعمها بقوة، وفيما نجد أن ثمة أسباباً سياسية تدفع بعض القوى العظمى لتدافع عن أمن الدولة العبرية، وتدعم تفوقها لتكون "شرطي" المنطقة، نجد أيضاً أن بعضهم يتحدث بلغة دينية متشنجة ومتعصبة، بل يزعم أنه يتلقى أوامره من الرب، ولذلك لا يتورع أمام كل ما تشيعه قواته من خراب، وكل ما تسفكه من دماء، اعتقاداً منه أن الخلاص لا يكون إلا بمثل ذلك الخراب وهذه الدماء. وهو ما جعله يتحدث عن "حرب صليبية" جديدة، وجعله يمتنع عن أي ضغط على اسرائيل لإيقاف عدوانها على لبنان، إلا أن اقتنع بعدم قدرتها على الانتصار. وفي حين كان "إيهود أولمرت" بحاجة إلى تلك الحرب ليثبت قدرته كرئيس وزراء جديد قادر على قيادة إسرائيل إلى انتصارات جديدة، كان الرئيس الأميركي جورج بوش بحاجة إلى انتصار في لبنان ينسيه المستنقعين العراقي والأفغاني. لذلك ليس من مشكلة يراها بوش وإدارته في الدم المهدور عربياً وإسلامياً، وليس لديهم مشكلة في تدمير حضارات عريقة إذا كان ذلك يصنع لهم انتصاراً أو بعض انتصار هنا وهناك، لا فرق أكان الضحية مسلماً أم مسيحياً. ولذلك كان من الصعب على اليهود أن يندمجوا في شعوب العالم، وهو ما يمكن ملاحظته في علاقة اليهود بمن حولهم، حتى بالدولة العظمى التي تقدم لهم الدعم والحماية، فهم مثلاً لا يتورعون عن التجسس عليها. شعب كهذا كيف يمكن أن نقيم معه سلاماً؟ وكيف يمكن أن يؤمن جانبه؟ ولماذا يتهافت العرب على إقامة العلاقات معه ومع دولته القائمة على الاغتصاب والقتل والتهجير؟ هي أسئلة نطرحها للنقاش في وقت تكشفت فيه الكثير من الأوراق التي كانت سرية، وتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، لأن في هذا النقاش تحديداً لمستقبلنا، مستقبل أمة منكوبة بقيادات لا تملك مقومات القيادة، وتملك كل ما من شأنه تسليم زمام الأمة لأعدائها، فإلى متى؟ رئيسة رواق عوشة بنت حسين الثقافي وجمعية الدراسات الإنسانية- دبي