في حين كانت الخطة الأولى للوصول إلى دولة يهودية خالصة هي الترانسفير/ الترحيل للشعب الفلسطيني، شكلت التفرقة العنصرية المواكبة للترانسفير الخطة الإسرائيلية الثانية. فمنذ إنشائها، وعلى درب "الترانسفير"، صعّدت إسرائيل حملتها الإرهابية ضد الشعب الفلسطيني إلى حد تعريضه لمجازر ونهج "الأرض المحروقة" التي تزايدت بعد انتفاضة الأقصى إثر انهيار عملية السلام. وتنوعت المفارقات بين عمليات الاغتيال/"القتل المتعمد"، والاعتقال، ومصادرة الأراضي، وهدم المنازل، وتمزيق الأراضي الفلسطينية بجدار الفصل العنصري... وغير ذلك. وعلى نحو متمم، مثلت سياسة التفرقة العنصرية، القائمة على الحصار والإغلاق، استراتيجية هدفها تمزيق المجتمع الفلسطيني. ولقد سجلت الأمم المتحدة مؤخراً أكثر من سبعمائة حاجز/نقطة تفتيش إسرائيلية في الضفة الغربية، يتعرض الفلسطينيون عندها لممارسات تعسفية ومضايقات كبيرة أثرت كثيراً على قدرتهم في الحصول على الخدمات الأساسية وعلى رأسها العلاج الطبي. ومن بين ثنايا الاحتلال الإسرائيلي، المؤسس على سياسة التفرقة العنصرية، يأتي هدم المنازل التي سوتها الجرافات الإسرائيلية بالأرض وتجاوز عددها منذ عام 1967 نحو 61 ألف منزل. كذلك يعتبر جدار الفصل العنصري (الذي يمتد لمسافة 750 كم ويبلغ ارتفاعه 8 أمتار، ويفوق في حجمه ثلاثة أضعاف حجم سور برلين، ويشتمل على أنظمة دفاعية متقدمة؛ مثل آلات التصوير الفوتوغرافية والتليفزيونية متعددة العدسات، بالإضافة إلى مدفعية أوتوماتيكية)، أداة مهمة تستهدف تشكيل أحياء يهودية منفصلة، وتطويق بعض القرى والمدن الفلسطينية، وتقسيم مدينة القدس الشرقية إلى قسمين لفصل نحو ربع مليون فلسطيني عن بقية الضفة. لا خلاف على حقيقة التفرقة العنصرية التي تمارسها إسرائيل والمرتبطة بجذور الصراع الفلسطيني -الإسرائيلي، بما فيها إنكار حق العودة للاجئين والمهجرين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم، وتأكيد القوانين العنصرية الخاصة بالعودة وأملاك "الغائبين" الفلسطينيين. وعلى نحو مشابه لتجربة "الأبرتهايد" في جنوب أفريقيا، تورطت سياسة التفرقة الإسرائيلية بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي. وقد وصل الأمر أن نظمت مجموعة مكونة من جنود إسرائيليين مفصولين (كسبوا تعاطف الرأي العام) معرضاً قدمت خلاله شهادات للعنف الممارس ضد الفلسطينيين، حيث تعرضوا لسلوك غير أخلاقي، سواء أثناء عمليات عسكرية إسرائيلية، أو عند نقاط التفتيش عبر الأراضي الفلسطينية. وتعيدنا القراءة الأولى لأفكار إسرائيل حول سياسة التفرقة العنصرية إلى جنوب أفريقيا في عهد حكم الأقلية البيضاء للأكثرية الأفريقية صاحبة الأرض، والاضطهاد العنصري الأبيض لسكانها السود، وإنشاء "البانتوستانات" الأفريقية من خلال قيادات محلية مرتبطة ومعتمدة على نظام التفرقة العنصري للبيض وحكومته المركزية. وعلى سبيل المثال، تمّ في عام 2001، خلال عهد "أرييل شارون"، إقرار قانون "القومية والدخول إلى إسرائيل" الذي يمنع الإسرائيليين العرب المتزوجين من فلسطينيات من جلب زوجاتهم للعيش معهم في أراضي عام 1948. وينطبق هذا القانون على الأزواج الفلسطينيين أو الزوجات الفلسطينيات. وهو مشابه لما عرف بقانون "كوماني" في جنوب أفريقيا الذي كان هدفه تمزيق الأسر السوداء بمنعه النساء من الالتحاق بأزواجهن. ورغم كل ما سبق يحار الإسرائيليون في عدم رؤية أوجه الشبه والمقارنة بين مجتمعهم ومجتمع جنوب أفريقيا السابقة! ويتساءلون: أين هي الإشارات التي تدل "اليهود" و"غير اليهود" على التماهي مع مرافق العزل العنصري التي كانت متوافرة في بريتوريا وجوهانسبرغ! ويرد عليهم السفير الإسرائيلي السابق في جنوب أفريقيا "ألون لييل" بالقول: "إذا ما نظرنا إلى حجم الظلم الذي أوقعته دولة إسرائيل بالفلسطينيين، فسنجد أساساً للمقارنة مع نظام "الأبارتهايد". وإذا أخذنا نقيس على مدى المعاناة فنحن في الفئة نفسها. صحيح أن "الأبارتهايد" يدين بفلسفة مختلفة تماماً عن فلسفتنا، ينطلق معظمها من اعتبارات أمنية، لكننا من ذات الفصيلة من حيث النتيجة". إذن، إسرائيل تؤمن بالاعتماد على سلاح التفرقة العنصرية لتحقيق أحلامها بالدولة اليهودية الخالصة. وكلنا يذكر ما قاله "شارون" ذاته عام 1982 من "إن إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت سيدفع الفلسطينيين، الذين هم تحت الاحتلال الإسرائيلي، إلى الاستسلام أو الهجرة أو هجر الأحلام القومية". ومع المعطيات الجديدة في عام 1998، أعاد "شلومو بي عامي"، الأكاديمي الإسرائيلي والوزير لاحقاً، صياغة ذلك التصريح الشاروني بقوله: "اتفاقية أوسلو قائمة على أساس كولونيالي جديد، وعلى أن تعتمد حياة أحد الطرفين (الفلسطيني) على الطرف الآخر إلى الأبد"! ويتزايد التشابه في القضية الفلسطينية مع قضية السود في جنوب أفريقيا السابقة. فالرغبة الإسرائيلية بتنفيذ أكثر من "بانتوستان" فلسطيني، تذكر باجتياح الشرطة والجيش في حكومة البيض لأحياء السود الفقيرة في جنوب أفريقيا. والمتابع للمزاعم الإسرائيلية، وخاصة تلك المتعلقة بقوانين الأرض والسكان، يدرك الرغبة الإسرائيلية بإنجاح خطة التفرقة العنصرية. وهذا ما أكده "جون دوغارد" المقرر الخاص المكلف بانتهاك حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة في تقريره الأخير حين أوضح أن: "بناء جدار الفصل العنصري يواصل إلحاق أضرار كبرى بأوضاع حقوق الإنسان الفلسطيني، إذ أدى بالعديد من الفلاحين لهجرة أراضيهم في المناطق الواقعة بين الجدار والخط الأخضر، نظراً لعدم حصول الفلاحين على ترخيص من السلطات الإسرائيلية، كما أن مسار الجدار في القدس يفصل بين أفراد عائلة واحدة ويجعل كلاً منهم يحمل بطاقات هوية مختلفة"! وأضاف دوغارد أن "نقاط التفتيش في الضفة الغربية، تجعل تنقّل الفلسطينيين حتى داخل الضفة، أمراً مستحيلاً. فأغلب تلك الإجراءات لا مبررات أمنية لها، بل وُضِعتْ لعرقلة وإهانة الشعب الفلسطيني". وعن الوضع في وادي الأردن، يضيف التقرير: "إن الاحتلال يواصل حرمان قرى بكاملها من الماء والكهرباء، وهو ما يؤثر على المدارس والمراكز الصحية". إذن، نحن أمام سياسة عنصرية إسرائيلية تعتمد كثيراً على مبدأ العقاب الجماعي والتخويف والإرهاب، وهو ما يتناقض مع اتفاقية جنيف الرابعة التي تضع قيوداً على سلوك القوة المحتلة. كما أنها سياسة تعتمد أسلوب العصابات الإرهابية في احتجاز الرهائن، وهو ما حدث بعد أسر أحد جنودها في غزة حين قامت باعتقال وزراء ونواب من حكومة "حماس"، وهو أمر تحظره الاتفاقية أيضاً. كذلك، تلجأ إسرائيل، منذ عقود، لإيقاع عدد كبير من الضحايا المدنيين أثناء كل عملية عسكرية للتأثير على معنويات الفلسطينيين. ومن جهة ثانية، حاربت إسرائيل من تبقى من فلسطينيين داخل ما يسمى "الخط الأخضر"، ورفضت دمجهم وأثبتت للعالم بأن نظامها العنصري هو توأم نظام "الأبارتهايد" في جنوب أفريقيا فكراً وممارسة. فلطالما حاربت الهوية العربية للفلسطينيين الذين طالبوا بإبراز موروثهم الثقافي والحضاري، بل هي حاربت مساعيهم الهادفة إلى فصل الدين عن الدولة، وإعطائهم –ولو كأقلية- حقوقهم الثقافية، ورفضت جعل الدولة لكل مواطنيها (بحيث يتعايش فيها العرب واليهود ديمقراطياً)، وأصرت على "قانون العودة" الخاص باليهود. غير أن كل هذه المقارفات أثبتت فشلها في الوصول إلى دولة يهودية خالصة!