أية بضاعة كاسدة أو أي منتج غير رائج أو أية خدمة جديدة يريد صاحبها ترويجها يطلق عليها وصف "إسلامي"، فتسير الأمور بأفضل مما كان يحلم... لذا لا نستغرب أنه صارت لدينا شركات عقارات إسلامية، وشركات وساطة مالية إسلامية، وشركات تمويل إسلامية، وشركات تأمين إسلامية، ومدارس إسلامية... ولا نستبعد أن يأتي "محيى الدين" صاحب البقالة ويكتب على لوحته "بقالة محيى الدين الإسلامية"... وعندما تسأله لماذا إسلامية يا محيى الدين؟.. يرد: إنني لا أبيع الخمور ولا لحم الخنزير إذن أنا إسلامي! بل وصارت عندنا مطاعم إسلامية، ومحلات ملابس إسلامية... حتى الطعام لم يسلم، فهناك دجاج إسلامي، ولحم إسلامي، حتى السمك كتبوا عليه "إسلامي"، وهناك بيض إسلامي! وساعة يد إسلامية، ومنبه إسلامي أيضاً... ولا أعرف إن كان هناك موبايل إسلامي ونظارة إسلامية! صالونات النساء صارت إسلامية... وتسأل صاحبة الصالون: لماذا يا مدام صالونك إسلامي؟ فترد: لأننا نزين المحجبات فقط؟ وهل في الزينة محجبة ومتبرجة؟! إنها التجارة وهي محاولات لاستغلال الدين لأن الجميع صار يدرك أن المجتمع العربي فطري ومتدين ويحب ما هو إسلامي، وبالتالي التاجر الشاطر هو الذي يفصل تجارته على مقاس الدين والناس تذهب لما هو إسلامي وإن لم يكن إسلامياً. لا نختلف على اتباع التطبيقات الإسلامية في التجارة والاقتصاد ولكن يجب أن يتم إيقاف المتاجرة بالدين، ومن يريد أن يطبق النظام الإسلامي فله ذلك، ولكن من دون أن يكتب على أوراقه ولوحاته وإعلاناته بأنه إسلامي. وقد أعجبتني كثيراً خطوة حكومة أبوظبي عندما أعلنت عن إنشاء مصرف الهلال، وعلى الرغم من أنه بنك إسلامي فإن القائمين عليه لم يضعوا كلمة إسلامي عليه، فهو "بنك الهلال" فقط، أما معاملاته فهي تتبع الطريقة الإسلامية... وهذا هو المفروض وهذا ما ننتظره من وزارة الاقتصاد ومن الحكومة بمنع إقران كلمة إسلامي بأي نشاط تجاري أو مالي، فلا نريد أن يساء استخدام الدين في التجارة كما استغل من قبل في السياسة ونعيش نتائجه المرة اليوم... قد يكون أكبر مثال وأوضحه لاستغلال الدين أو استغلال كلمة "إسلامي" هو البنوك الإسلامية... فالجميع يعرف أن "بنك إسلامي" يعني أنه يقوم على نظام غير ربوي... أي لا يتعامل بالربا لأن الربا يعني "ببساطة" استغلال حاجة الآخرين والمتاجرة بتلك الحاجة من خلال من لديه المال، وهذا أمر حرمه الإسلام بشكل واضح وصريح، وفي المقابل دعا إلى التكافل في المجتمع ومساعدة صاحب المال لمن هو بحاجة إلى المال دون إلحاق الضرر به أو التغرير به... ما يحدث اليوم في تلك البنوك التي تدعي أنها إسلامية هو أنها أولاً تصف البنوك الأخرى بأنها ربوية حتى تضفي عليها صفة اللاشرعية واللاإسلامية، وفي المقابل تصف نفسها بأنها شرعية بحجة أنها تتبع أنظمة تقول إنها إسلامية... هذا في الظاهر لكنها في الحقيقة تستغل حاجة الناس أيضاً... فعلى سبيل المثال بدلاً من أن يشتري الإنسان السيارة "بفائدة" يكون مجموع ما يدفعه أكثر بـ 5% من السعر الأصلي للسيارة، فإن البنك الذي يدعي أنه إسلامي يشتري السيارة ثم يبيعها للشخص بسعر أعلى بكثير من السوق وقد يصل إلى أكثر من 5% من السعر الذي يقدمه البنك "الربوي" ويسمون ذلك "مرابحة"... إنه فقط اختلاف في المصطلحات أما جوهر الأمر فإنه استغلال سافر لحاجة الإنسان بل واستغلال فاضح للشريعة الإسلامية التي ابتليت بمجموعة من "المختصين الشرعيين" و"اللجان الشرعية" التي "تتفنن" في اللعب بالمصطلحات "وتشرعن" كل ما هو غير شرعي! وكأن هذه اللجان الشرعية لها الصلاحية المطلقة في تفسير النصوص كيفما تشاء، والأغرب أن ما كان يعتبر"حراماً" بمجرد أن يدخل إلى تلك اللجان ويخرج منها يصبح حلالاً صريحاً؟! والشعار الحقيقي لتلك البنوك وغيرها من الشركات المدعية بأنها إسلامية، هو "أيها الناس.. بعون الله سننهبكم" طبعاً باسم الدين. يجب أن نعترف بأن الدين يُستَغَل بأبشع الطرق والجميع يرى ذلك، ثم نتساءل من أين يأتي الإرهاب وكيف تغلغل في مجتمعاتنا؟! فبعد أن سمحنا لأنفسنا باستغلال الدين الإسلامي واستخدامه حتى في "الشوربة الحلال"! لماذا لا نتوقع "قتلاً حلالاً".. و"إرهاباً إسلامياً"، ولماذا نستغرب أن يأتي مجموعة من القتلة والمجرمين والمنحرفين والمجانين، ليستغلوا الدين في ميادين الحرب ودول الغرب، كما قام بعضنا باستغلاله لنهب الناس والبيع والتجارة به؟! لقد امتطينا الدين وجعلناه وسيلة لتحليل "وشرعنة" كل شيء، فلماذا نستغرب عندما تأتي فئة جاهلة وتستخدم الدين في القتل والإرهاب والتخريب؟! إننا بحاجة إلى وقفة حقيقية لنضع الدين الإسلامي في مكانه الصحيح والطبيعي، فلا نحمله أكثر مما يحتمل ولا نستخدمه حتى في بيع الكوسا والباذنجان... وهذا هو دور علماء الدين الذين هم فعلياً غير موجودين على أرض الواقع، فنحن نعيش في عصر يغيب عنه العلماء الحقيقيون العارفون بالدين والذين يحترمون تعاليمه ويتبعونها بأفضل صورة وبما يأتي بالنفع على المجتمع وعلى البشرية وليس كما هو حادث اليوم حيث صار الدين الإسلامي من وجهة نظر كثير من العامة في الغرب أنه لا يأتي إلا بالشر والموت والدمار... وبما أنه ليس هناك علماء يعتمد عليهم فعلى الحكومات أن تتحمل مسؤولياتها وتسد هذا الفراغ الذي لا شك أنه صعب، ولكن الأصعب أن يبقى الفراغ وأن تسير الأمور بلا رقيب أو حسيب. أخيراً... أفراد المجتمع ليسوا بريئين ويتحملون جزءاً كبيراً من مسؤولية انتشار هذه الظاهرة، فهم شركاء فيها وهم جزء من أسباب ظهورها ثم انتشارها. فقد تعود الفرد في مجتمعنا أن يجري وراء كل ما هو "إسلامي"، يكفيه أن يقرأ على المنتج أو البضاعة أو الشركة كلمة إسلامي" حتى يصبح زبوناً مطيعاً ودائماً لتلك السلعة أو تلك الشركة ولا يبذل جهداً في التأكد إن كان ذاك المنتج إسلاميا فعلاً أم أنه يُدعى بأنه إسلامي ولا يتأكد إن كان ذلك البنك أو تلك الشركة تتبع النظام الإسلامي أم أنها تدعي ذلك لتجذب أكبر عدد من الناس إليها... والأدهى في هذا الأمر أن لدى بعضهم منطقا اتكاليا غريبا، وهو "أننا لا يهمنا إن كان إسلامياً أو لا فنحن نتعامل معهم لأنهم يقولون إنهم يتبعون النظام الإسلامي وإن لم يكونوا كذلك فالإثم عليهم وليس علينا"! فهل هناك منطق متواكل أكثر من ذلك؟!