أشار الكاتب فهمي هويدي في مقالة نشرت مؤخراً، إلى ما نشرته "الواشنطن بوست" عن تقرير أعده الصحافي "جين كرين" يتحدث فيه عن الدور المتوقع للإمارات في ظل تنامي العمل الديمقراطي الذي يمكنها تقديمه للوطن العربي. هل فكرت الإمارات في أن تصل إلى مستوى ريادي من هذا النوع؟ فالدور المطلوب هنا، ليس هدفه استعراض القوة أو ترف الحضور أو حتى المباهاة بكمّ النجاحات الاقتصادية التي تشهدها الدولة، إنه الدور التاريخي الذي لابد أن يكون غاية في حد ذاته، للحفاظ أولاً على هذه النجاحات ومحاولة الوصول إلى محيط عربي مطمئن وقادر على تجاوز أزماته المتتالية. فالعمل الديمقراطي الذي يعد نواة تشكيل المجتمع المدني، بدأت تباشيره، لولا ممارسات أثبطت من عزيمة المنتخبين، ولولا عقليات نحت منحىً تجارياً صرفاً في التعامل مع مجلس وطني منتخب لأول مرة منذ إعلان اتحاد دولة الإمارات. فالدور الريادي لابد أن يشكل قناعة لدينا جميعاً حكومة وأفراداً، وعليه لابد من رأب تصدعات توحي بتداعي مزيد من الأزمات والهوات المتسعة في قضايا اجتماعية عديدة. فالمتتبع للعديد من الكتابات الأجنبية والعربية، يدرك حجم القناعة المتزايدة بنجاح الإمارات في صنع اسم له وقع خاص، بسبب الوصول في عمر بسيط، إلى العديد من جوانب التميز والاختلاف. فالمجتمع المعافى والمواطن صاحب الصوت المسموع والنافذ، له إمكانية الريادة بالضرورة، وله فرصة النجاح تلو النجاح، فالألق الاقتصادي إنما هو قادم من اطمئنان اجتماعي أولاً وآخراً، والاقتصاد لا يقوم على مورد نفطي وحيد أو على عقار يروج له وكأنه طوق الخلاص، إنه حزمة متكاملة ضمن منظومة محددة الأطر ومتعددة الأشكال والأفكار، تسعى على خط مشترك في الوصول إلى نجاح عميق وراسخ وقادر على التباهي كونه ثابتاً ولا تعييه تقلبات الأسعار أو نضوب مصادر الطاقة. ناهيك عن الوعي السياسي المطلوب واللغة الحوارية الحضارية، الواجب توافرهما في التعاطي مع مشكلات قائمة أو بصدد التواجد، فالمشاركة هي في أدق التفاصيل تعني توافر أرضية صلبة من التعاضد والتكاتف بين الحكومة وأفرادها مجتمعين. فالقرار لا ينبغي أن يكون أحادي الاتجاه أو بلا آذان مصغية، ونجاح الحكومة من نجاح الأفراد القائم أولاً وآخراً على وعي لحقيقة الدور المنوط بكلا الطرفين. فلولا حكمة أبوظبي وذكاء دبي وثقافة الشارقة ومرونة الفجيرة ووعي رأس الخيمة، لما كان للإمارات هذه الفرصة الذهبية التي يتوقعها لها الجميع، فخمسة وثلاثون عاماً هي عمر اتحاد دولة الإمارات، تعني أنه حان الوقت ليكون لها مشروعها القيادي الذي يضعها في مصاف دول لها تاريخها ولها إخفاقاتها التي جعلتها تتراجع عن أن تلعب دورها السابق الذي كان. وأزعم أن وسطية الدولة في فكرها واعتزازها بهويتها يدعمان هذا الدور المستقبلي القريب، ويعززان من إمكانية سرعة الوصول إليه، إن كانت هناك قناعة متعمقة الجذور لجدوى هذا الدور وأهميته، وبضرورته الملحة وسط هذا الليل المعتم الطويل الذي يخيم على الأمة.