في مقال الأسبوع الماضي، طلبت من توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني السابق، ممثل "الرباعية" في الشرق الأوسط، أن يكون له موقف تاريخي لن ننساه له كعرب، وأن يعطينا وعداً على غرار "وعد بلفور"، لتأسيس وطن قومي للشعب العربي الفلسطيني طبعاً على أرضه فلسطين. وقلت إن هذا الوعد سيُكفر بعض الذنب، الذي تحمله العرب الفلسطينيون بترحيلهم من ديارهم بعد قيام إسرائيل. ولكن ماذا لو فعلها بلير، وقطع على نفسه هذا الوعد؟ ومن هو العربي المؤهل لقيادة الشعب الفلسطيني؟ إحدى نظريات الأمراض التي لها وجاهة عند بعض الأطباء المهتمين بقضية العدوى، تقول إن الميكروبات والفيروسات لا تهاجم إلا الجسم الذي ضعفت مناعته أو انعدمت، وأحد أسباب ضعف المناعة، هو الوهم عند بعض الناس وخشيته من الأمراض، الأمر الذي قاده إلى وسواس قهري، بأن كل عين حاسدة ستصيبه، وكل جرثومة طارئة، ستحل في جسده، مما جعله في شك مريب، وظلمة ليل ليس له نهار. والحل في هذه الحالة لايكمن في كثرة الأدوية والمنشطات، لكن الحل الجذري كامن في ثقة هذا الانسان بقدراته وأن الله تعالى زوده بنظام مناعة فعال، مطلوب منه أن ينشطه ويستثمره، كي يعود إلى عالم الأحياء من جديد، الذين تعلموا كيف يعيشون في عالم مليء بالأدواء من حولهم. فجراثيم الدنيا كلها لا تقوى على من تمكن من تنشيط مناعته واستثمرها بكافة قدراتها والأمر من قبل ومن بعد لله تعالى. لو صدقت هذه النظرية الطبية، فإن واقع الشعب الفلسطيني والعربي اليوم لايبشر بخير، فمن درس تاريخ "وعد بلفور"، يجد أن المنظمات الصهيونية اجتمعت على حلم واحد، هو إقامة وطن لليهود في أرض فلسطين، ومن يعرف اليهود عبر التاريخ أو حتى حاضرهم، يعلم أنهم في حقيقتهم أحزاب متصارعة متشتتة، منهم من تطرف لأقصى "اليمين" وآخر اتجه نحو الشمال، وعندهم من العنصرية العرقية، ما لو تكلمنا عنه، لما وسعتنا هذه الصفحة "تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى" كما قال الله تعالى. ولكن الفرق الجوهري أنهم تمكنوا من ربط بعضهم ببعض لتحقيق هدف واحد، وهو لب وحدتهم ، وعليه تجمعوا ووحدوا صفوفهم وأموالهم وعقولهم على مستوى العالم تتحد لتحقيق هذا الهدف، فهل يتعلم العرب منهم هذا الدرس. الأمر الآخر الذي ميز إسرائيل عن العرب المحيطين بها، هو التنمية البشرية التي ينفق الإسرائيليون عليها معظم ميزانية الدولة، فعدد الجامعات ومراكز البحث العلمي في إسرائيل اليوم لو تعاملنا معه بالنسبة والتناسب لا يقارن بأفضل دولة عربية محيطة بإسرائيل، لقد تمكنوا من تسجيل اسمهم في المحافل الدولية في شتى جوانب العلوم، بما في ذلك حليب الإبل وصناعات الفضاء الخارجي، إن الدول التي تسيطر على العالم اليوم كان للعلم موقع من الإعراب في تخطيطهم المستمر. الأمر الثالث الذي نتعلمه من اليهود أنهم حققوا لشعبهم انجازات يفخرون بها ، فهناك اقتصاد متماسك وبنية تحتية عالمية، وعندهم حكومة قابلة للنقاش الديمقراطي والمحاسبة طريقهم في ذلك والعدالة مضمونة للجميع تحت القانون الذي يسود ولا يُعلى عليه، فقد تنحى رئيسهم قريباً عن منصبة لأنه استغله كما لا ينبغي، والعدالة بينهم متحققة، ومن هنا استحقوا التقدير في عيون العالم، لأن الكل يقارنهم بمن حولهم ليجد أن جل المعاني التي ذكرت مفقوده عندهم. بعد هذه المقدمة دعونا نرقب ماجرى في فلسطين العربية بين حكومتي "فتح" و"حماس". لست هنا في موقع الحكم على من أخطأ وأصاب، فالكل مشترك في جريمة ليس لفلسطين موقع من الإعراب في نتائجها. فالعالم كله مع "فتح"، فهل هي على حق أم أنها حققت متطلبات الدول الراعية لإسرائيل؟ ومن جانب آخر فـ"حماس" أتيحت لها فرصة تاريخية لدخول عالم السياسة من أوسع أبوابه، فهل كانت عاقلة لأنها لم تستثمر هذه الفرصة؟ لا أدري من ألوم، ولكن الكل هنا يسأل، هل ما يجري لمصلحة القضية؟ وماذا ستكون النتيجة لو أن توني بلير أعطانا وعد الدولة الفلسطينية؟