هل خطر ببالنا كمواطنين ننتمي إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، أن نسأل أنفسنا السؤال السرمدي الذي يؤرق مضاجع شعوب وحكومات دول العالم النامي، منذ أن أخذت فلول الاستعمار الغربي في الخروج من الدول التي تصنف تحت هذا المسمى، وهو: كيف يمكن لنا مكافحة الفقر في وطننا؟ أو كيف نستطيع إبقاء مواطنينا يعيشون فوق مستوى خط الفقر وليس تحته؟ وقد يقول مَن يقرأ مقالتي هذه ولا يتفق معي على وجود فقراء بين مواطني دولة الإمارات، إن هذا السؤال في غير محله، ولا ينطبق على المواطنين في هذا البلد. جزئياً وظاهرياً، قد يكون عدم الاتفاق معي صحيحاً، ولكنه ليس بصحيح على علته وإطلاقه، والمسائل المتعلقة به نسبية، ولها من البواطن أكبر مما لها من الظواهر. الإمارات تستطيع خفض مستوى الفقر بين مواطنيها بشكل دراماتيكي إذا ما توفرت الرغبة الحقيقية والإرادة، وإلى أن يحدث ذلك، يمكن القول إن ما تجرفنا إليه الأحداث الاقتصادية المتسارعة في البلاد جعل من الأسر المواطنة التي تقترب أو حتى تقع تحت مستوى خط الفقر (وهي تلك الأسر التي تحصل على مداخيل أقل من نصف المداخيل المعلنة رسمياً على مستوى دول العالم المتقدم بأنها تشكل الحد الفاصل بين مستوى المعيشة تحت خط الفقر وفوقه) تزداد ولا تتناقص، رغم الطفرة الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد حالياً. وقد يستغرب البعض من طرحي هذا، ولكن الواقع يشير إلى ذلك، وإلى أن العديد من الأسر يعيش تحت مستوى خط الفقر من ناحية فعلية، وهذا يحدث، ليس بسبب أنه تنقصنا خيارات كيفية التصرف حيال ذلك، ولكن لأنه تنقصنا الإرادة والإجماع على الأخذ بالخيارات المناسبة لنا والرغبة في توسعة السياسات المالية والاقتصادية والمجتمعية المتعلقة بذلك. ومع بدء دبي في إرساء نهضتها الاقتصادية والتجارية والتعميرية في بداية الستينيات من القرن الماضي، ومع ولوج الحركات التصحيحية في بعض الإمارات بين عامي 1965 و1966، أرسيت اللبنات الأولى لمكافحة الفقر لدينا. لقد كانت الأهداف الأولى لما حدث في تلك الفترة، هي تدشين بداية الحرب على الفقر والرغبة في رفع مستوى المعيشة لكافة المواطنين الذين كانوا يعيشون جميعاً تحت مستوى خط الفقر. والواقع هو أن السياسات التي اتبعت بعد ذلك، رفعت من مستوى معيشة المواطنين كثيراً، ولكن ذلك لم يعم كافة أرجاء الوطن منذ البداية. وقد يكون قيام الاتحاد قد أسهم كثيراً في العملية حين أوصل الوظائف والخدمات الأساسية إلى جميع المواطنين، ولكن ما تقدمه الحكومة الاتحادية، اصطدم بمشاكل الميزانية وكيفية تمويلها عاماً بعد عام، الأمر الذي أدى إلى تدني تلك الخدمات لاحقاً بشكل ملحوظ. لذلك يمكن القول إن العديد من المواطنين استمروا في العيش قريباً من مستوى خط الفقر إن لم يكونوا تحته، ولم تتحقق الأهداف التي أرادها تصحيحيو مرحلة الستينيات كاملة. في هذه المرحلة بالتحديد، التي تشهد تغيراً جذرياً في طبيعة اقتصاد بلادنا كنتيجة حتمية لولوجها ضمن مقولات العولمة وتزايد الهجرة الأجنبية إليها والابتعاد عن الطروحات الاتحادية الأولى التي أرساها الآباء المؤسسون، خاصة المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "طيّب الله ثراه"، وتراجع المستوى الحقيقي لمداخيل المواطنين في المتوسط، وضعف العملة الوطنية في مقابل العملات الرئيسية، وارتفاع أسعار السلع كافة، وغلاء المهور ومعدلات التضخم التي تأتينا مع السلع المستوردة، فإن أعداد الأسر المواطنة التي تسير في اتجاه الوصول إلى خط الفقر وما تحته آخذة في التزايد شيئاً فشيئاً. ويلاحظ في هذا الصدد أن الهوة الخاصة بتفاوت الدخل بين الفقراء والأغنياء من المواطنين آخذة في الاتساع بشكل رهيب، ويضاعف من ذلك أن أصحاب الغنى الفاحش لا يسهمون مطلقاً في برامج وخطط التنمية أو الميزانية الوطنية، لأنهم لا يتحملون أي نوع من ضرائب الدخل وتذهب الأرباح التي يجنونها من أعمالهم الخاصة إلى جيوبهم كاملة. وحيال ذلك، فإننا نحتاج كمجتمع ودولة، أن نعي تماماً ما يجب علينا أن نفعله مستقبلاً لكي نردم الهوة الواسعة بين الغني والفقير، ونبعد مواطنينا عن مغبة الانزلاق إلى ما تحت مستوى خط الفقر، ووطننا عن مخاطر الدخول في صراعات طبقية مدمرة. وفي تقديري أن كلفة القيام بذلك ليست عالية في ظل الظروف الاقتصادية الحالية التي يعيشها الوطن، وهناك العديد من الوسائل والآليات التي يمكن بها تحقيق ذلك. ولكن يبقى السؤال المهم وهو: هل نحن مستعدون فعلاً كمجتمع ودولة، للوقوف وقفة رجل واحد تجاه ذلك؟ وليحفظ الله الإمارات وشعبها من مآسي الفقر والعوز.