أبدى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان قلقه من انقسام العراقيين حول آلية تسليم السلطة من قوة الاحتلال التي تقودها الولايات المتحدة هذا الصيف. ممثل الأمين العام للأمم المتحدة السفير الأخضر الإبراهيمي لا يزال مستمراً في مهمته في العراق باستقاء الآراء ومقابلة النخبة الدينية والسياسية والأحزاب والحركات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني. الهدف من لقاءاته هو التعرف عن قرب على ماذا يريد الشعب العراقي بكل فئاته تمهيداً لرفع تقريره للأمين العام للأمم المتحدة الأسبوع المقبل.
دول التحالف الغربي وعلى رأسها الولايات المتحدة تنصح الأطراف العراقية بالتأني وعدم الاستعجال خصوصاً أن الأمور الأمنية لم تستقر حتى الآن. كما أن الانتخابات تتطلب إجراء مسح سكاني بإحصاء عدد السكان. بعد ذلك ضرورة وضع دستور مؤقت يحدد طبيعة الدولة القادمة في العراق، هل هي دولة ديمقراطية تعددية مدنية أم دولة دينية بدستور شكلي. الولايات المتحدة أعلن رئيسها رفضه لحكم رجال الدين في العراق.
التساؤل المطروح علينا اليوم هو: ما هو موقف دول الخليج العربية من الانتخابات في العراق، هل تفضل دول الخليج إجراء الانتخابات مبكراً كما يريد آية الله العظمى علي السيستاني أم ترى دول الخليج ضرورة التأجيل حتى تتضح الأمور ويستقر العراق، وبعدها تجرى الانتخابات؟!! حتى هذه اللحظة لم تحدد دول مجلس التعاون رؤيتها لما يحدث في العراق، والبيان الذي أصدرته قمة التعاون في الكويت في ديسمبر الماضي يدعو لاستقرار العراق ويطالب في الوقت نفسه بالإسراع بانسحاب دول التحالف من العراق.
الأمر المؤكد بالنسبة لنا هو أن دول الخليج العربية غير متفقة حول رؤية موحدة تجاه العراق، فكل دولة خليجية لديها رؤيتها الخاصة لمصالحها مع العراق قد تتفق أو لا تتفق مع دول الخليج الأخرى.
كمواطن خليجي أرى أن الإسراع في إجراء الانتخابات في العراق سوف يضر الشعب العراقي أكثر من غيره لأن هذا الشعب لم يتفق حتى الآن على رؤية مشتركة حول العراق الجديد. البعض يريد دولة دينية شيعية وآخرون يريدون دولة سنية مثل دولة "طالبان" وآخرون يريدون دولة ديمقراطية تعددية بينما يرى آخرون أن دولة عربية فيدرالية قد تكون مناسبة.
حتى تنجح الديمقراطية في العراق يتطلب ذلك خلق المؤسسات الديمقراطية التي ستحمي هذه الديمقراطية وأهمها الطبقة الوسطى المعتدلة في توجهها السياسي، وبعدها بناء مؤسسات المجتمع المدني الحرة البعيدة عن تأثير الدولة. الديمقراطية بالتأكيد تتطلب وجود أحزاب سياسية وقد نشأ في العراق حتى الآن مئات الأحزاب بعد تحريره من نظام الطاغية. لكن مشكلة هذه الأحزاب أنها كلها إما دينية أو قومية أو علمانية، وكلها أحزاب لا تؤمن بالتعددية الديمقراطية ولا باحترام الآخر. فكيف يمكن أن ننشئ أحزاباً يؤمن فيها الجميع باحترام الشعب وآرائه وتوجهاته الديمقراطية. مجتمعاتنا العربية ومنها المجتمع العراقي كلها مجتمعات استبدادية-قهرية لا تسمح لا للمرأة ولا للطفل بابداء آرائهما على مستوى العائلة أو الوظيفة. فكيف يمكن تطوير المناهج الديمقراطية في دول لم تشهد مجتمعاتها أي نهج ديمقراطي طوال تاريخها الطويل؟
مطالبتنا لدول الخليج العربية تحديد موقفها ورؤيتها للعراق الجديد لن تلقى أذناً صاغية حتماً لأن دول الخليج العربية حتى هذه اللحظة ترفض الضغوط الأميركية عليها لقبول الديمقراطية في بلدانها حتى يعم الأمن والاستقرار المنطقة. كل ما يمكن أن نقوله عن دول الخليج هو ترديد المثل المشهور "فاقد الشيء لا يعطيه".