ربما يلزمني التذكير بأن استجابتي لدعاة نظرية "صدام الحضارات"، كانت هي اعتقادي أن "الهوية ليست غاية" بحد ذاتها، وأن فكرة الصدام تلك، إنما تنطوي على رغبة في تقزيم البشر والتصغير من شأنهم، بتحويلهم إلى هويات فريدة لا خيار لها، قابلة للتعليب والتعبئة في "صناديق الحضارة" الصِدامية الجاهزة تلك. وفي سياق فرضياتي هذه، فلننظر اليوم إلى ما يجري في تركيا، وإلى ما يثار حولها من صخب وجدل، يذهب إلى الاعتقاد بأنه ليس من المستبعد أن تؤدي الديمقراطية نفسها إلى إسدال الستار على العلمانية، بصفتها ثقافة سياسية راسخة، نهضت عليها تركيا الفتية، التي أسسها قائدها كمال أتاتورك. والحقيقة أن لهذه الدولة تاريخاً عريقاً ثرياً، وأن لها من غنى وتعدد التجارب السابقة، ما أسهم في تشكيل سلوكيات مواطنيها واتجاهاتهم في زماننا المعاصر هذا. وكما هو حال كل المجتمعات الحديثة الناهضة، فإن من الطبيعي أن تتعدد وتتباين المدارس الفكرية فيها. أما كون هذه المدارس الفكرية، متعارضة أو لا تتفق فيما بينها، فإن ذلك ليس مؤشراً على ضرورة وقوع صدام دموي بينها، مدفوعاً على الأرجح بأوهام "صدام الحضارات" التي فندتها في أطروحتي عن "الهوية والعنف". ولذلك فما أفدح خطأ من يروق لهم تصوير ما يجري من خلاف سياسي في تركيا اليوم، بين السياسات العلمانية من جهة، والسياسات ذات التوجه الديني من جهة أخرى، كما لو كان صراعاً طاحناً بين القيم الإسلامية، وتلك المقابلة لها في الديانتين المسيحية واليهودية. والشاهد أن هذه الخلافات إنما تعود إلى تعدد الرؤى حول ماهية السياسات الملائمة للممارسة العملية، وليس حول ماهية الاعتقاد الديني ومدى ملاءمته للشعب التركي. وللحقيقة فإن غالبية العلمانيين الأتراك، إنما هم مسلمون في الأساس. وفوق ذلك، فإنه لا بد من القول إن الديمقراطية بحد ذاتها، لا توفر صمام أمان للعلمانية، بيد أنها لا تتعارض معها بأية حال. وليس مستغرباً أن يتطلع العلمانيون إلى الحصول على دعم واسع من قبل الأغلبيات الشعبية. فذلك هو واقع الحال في الهند، حيث يحصل هؤلاء على ما يتطلعون إليه من دعم، بهامش أغلبيات كبيرة للغاية. ويشمل عمق ورسوخ الاعتقاد في القيم العلمانية، المسلمين الهنود أنفسهم، وما أكثر هؤلاء في الهند من نظرائهم الأتراك، بما لا يقاس. كما يشمل الاعتقاد، وبالدرجة ذاتها، الهندوس والمسيحيين والسيخ والزرادشتيين وغيرهم. ومما لا ريب فيه البتة، أن أغلبيات كبيرة في المجتمع الهندي، تنحدر من مختلف المذاهب والمشارب الدينية، تعتقد اعتقاداً لا يتزعزع، بضرورة أن تحتفظ الدولة لنفسها بمسافة متكافئة من كافة الأديان، دون تمييز. وهذا هو ما يدعوني إلى الاعتقاد بأنه ما من شيء يؤيد الفكرة القائلة إن من ِشأن الديمقراطية نفسها أن تؤدي إلى نهاية العلمانية، لا سيما عند الأخذ برسوخ قيم العلمانية هذه، في تربة الديمقراطية الهندية، التي أعلمها علم اليقين. وليس ثمة ما يدعو إلى الغرابة، في أن تتطلع غالبية الشعب التركي إلى انضمام بلادها إلى عضوية الاتحاد الأوروبي. فهل من عجب؟ كيف وأن الاتحاد الأوروبي، بات يمثل اليوم صرحاً حيوياً باهراً من صروح المعمورة، سواء كان ذلك من الناحية الاقتصادية أم الاجتماعية أم الثقافية؟ وهذه الحيوية هي التي تكشف بداهة تشوق الأتراك لإلحاق بلادهم به. على أن ذلك لا يمنعني كآسيوي، أن أحزن نوعاً ما وأنا أرى الهوية الآسيوية، بكل ما كان لها من مكانة وأهمية في التاريخ التركي، لم تعد تسحر أتراك اليوم، مثلما يسحرهم بريق الهوية الأوروبية. قلت "أحزن" غير أني لست مندهشاً إزاء ما أرى من تقلب أو انقلاب على الهويات. وللحقيقة فإن بعض الحقائق التي لا تفارق الذاكرة مطلقاً، أن القارة الآسيوية، لا سيما الجزء الغربي المتاخم منها لتركيا، قد تحول إلى ساحة للمعارك والحروب الطاحنة بين الدول والمناطق الإقليمية على حد سواء، وهي معارك أججت نيرانها النزاعات العرقية والدينية وغيرها. ولا تزال أمامنا سلسلة من العقبات والمصاعب، علينا أن نتخطاها أولاً، قبل أن يصير للهوية الآسيوية ذاك البريق الذي يخطف الأبصار والنفوس معاً. وبما أننا لم نبرح الحديث عن الهند بعد– بوصفها نموذجاً للتواؤم والتصالح ما بين الديمقراطية والعلمانية- فلنقف قليلاً على وضع الهويات فيها. ولعل هناك من يتساءل عن ماهية الهويات الهندية بالذات: أهي الأبقار المقدسة، أم هي برامج تشغيل الحاسوب والإنترنت، أم هي "تابوهات" الهند غير القابلة للمس؟ والشاهد أن الهوية لم تعد معضلة في الهند بتاتاً. وفيما أراه شخصياً، فإن لكل واحد منا، انتماءاته المتعددة، وصلاته الفريدة المتباينة في آن. وعادة ما ترتبط هذه الانتماءات والوشائج بالنشاط المهني أو السياسي أو اللغوي أو الأدبي للفرد، أو بصلاته الاجتماعية، وغيرها من شتى الولاءات والانتماءات. على أن لكل واحد منا في نهاية الأمر، هويته الفردية الخاصة، المميزة له عن الآخرين كافة من حوله. وبهذا الفهم، فإن هناك في الهند اليوم، مليارات الهويات. ويلزم القول أيضاً إن قبول الفرد للتعددية، لا يعني بأية حال، التفريط أو المساومة في أن يكون المرء "هندياً" بمعنى توفر الخصائص العامة المشتركة بينه والآخرين، فيما يوحد بينه وبينهم، من ناحية الهوية الوطنية، وما يرتبط بها من انتماء سياسي للهند. وإنه لمن الخطأ المفهومي القاتل، أن يعتقد أحدنا وجود ثمة تعارض بين التعددية وذلك الطابع الجمعي للهوية الوطنية. وبهذا نصل أخيراً إلى الحديث عما يمكن أن يكون مشتركاً بين الهويات في عالمنا الهجين هذا. وهناك من يجتهد الآن ويقدح زناد الفكر أملاً في الوصول إلى بديل معقول لنزعة "عالمية" مفروضة فرضاً على الآخرين. ومن باب الإسهام في هذا الجهد، فإنه لا مناص من القول بتعدد القيم وخلافها، بل تعارضها، بين الأفراد المنتمين إلى دولة واحدة، ناهيك عن محاولة الزج بهم في هوية "عالمية" واحدة مشتركة. ولئن كان بعضهم، قد رأى أنه ربما من الحكمة أن نصحب معنا تجربة التعايش السلمي، والتوافق الذي ساد بين مجموعات دينية وعرقية وثقافية جد متباينة في آن، فإني أذكّر هنا بالتحذير من مغبة الوقوع مجدداً في فخ "ضفدع البئر" الذي حذرت منه الفلسفة الهندية منذ القرن الأول قبل الميلادي. وتقوم حكمة ذلك التحذير، على ألا يكون المرء مثل ذلك الضفدع السجين، المنطوي على نفسه وبئره، ولا يعلم شيئاً من أمر العالم الخارجي المحيط بتلك البئر. ولذلك فكفى خداعاً بأمجاد زائفة منسوبة إلى عصر القرون الوسطى "الذهبي". فالحقيقة العارية أنه كان عصراً لمحاكم التفتيش ومحارق المهرطقين والساحرات لا أكثر. ــــــــــــــــــــــ حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 1998، وأستاذ كرسي "لامونت" بجامعة هارفارد ــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع "تريبيون ميديا سيرفيز"