تمنح الرحلاتُ الإنسانَ تجربة إنسانية فريدة وتهبه مساحة للتأمل والتفكير لا يجدها وهو مقيمٌ في داره، يمارس روتينه اليومي وحياته الطبيعية. إنها تفتح للعقل كوّة من ضياء التجربة، يستطيع من خلالها المقارنة والتفكّر في مسلّمات تعايش معها دهراً، والتدبّر في أفكارٍ ردّدها ردحاً غير قليل من الزمن بتسليم شبه كامل، وبما أنّ الرحلات تمنح الإنسان التجربة والمعرفة والتفكّر وتضيف إلى ذلك كله المتعة والبهجة، فقد اهتمّت غالبية ثقافات البشر بالرحلات وتدوينها، وصار أدب الرحلات من الآداب الممتعة وكتب الرحلات من أجمل الكتب وأمتعها. كان كاتب هذه السطور جالساً في رأس جبلٍ عالٍ يطلّ على مناظر تجلو النفس وتبهج الروح، ففي أسفل الجبل سفوح مفروشة بالاخضرار، وغابات تتشابك أشجارها حتى لا تسمح لعابرٍ بالمرور، وسهولٌ تمتد امتداد البصر، وعلى تلك المناظر كلّها توزعت قطعان الحيوانات بأعدادٍ تفوق الحصر، وأصنافٍ تُتعبُ حتى المتخصّصَ في تقصّيها، منظر التلاحم بين القطعان يثير الدهشة، والتواصل بين الطيور وبعض الحيوانات لتحذيرها من خطرٍ داهم يثير الاستغراب، ولا ينقضي اندهاشي من رؤية "الزرافة" وهي تجري بطريقة تجعلك تراها رأي العين، فتحسب أنك تشاهد فيلماً سينمائياً يُعرَضُ بالحركة البطيئة، حتى لكأنها عارضة أزياء فاتنة تدلّ على رائيها بمشيتها وجريها! هنا في وسط غابات أفريقيا، رأيت رأي العين، ولأول مرة في حياتي "شريعة الغاب"، تلك الشريعة التي كنت أقرأ وأستمع للهجاء الذي يمارسه غالب الكتّاب لها، وأتذكر كيف كانوا يصفونها بأنها الشريعة التي يأكل فيها القويُّ الضعيف، وتضيع فيها الحقوق وتهدر الأرواح! هكذا كنت أقرأ وأستمع وأتذكر، ولكن ما رأيته كان مختلفاً، ودعوني لا أستبق الأحداث بالتحليل، ولأعد لجبلي العالي والمناظر التي شدّتني من على قمّته، نزلت من ذلك الجبل ورجعت إلى المكان الذي أقيم فيه، فتحت جهاز "اللاب توب"، وابتدأت بموقعٍ إخباري أتابعه دائماً، فراعني أن النسبة الأغلب من أخبار صفحته الأولى تتحدّث عن أخبارٍ وأحداثٍ بشعةٍ ومؤذيةٍ، أخبارٍ كتبت بدم البشر القاني، وعلى نغمات رصاصهم وقنابلهم وقذائفهم وسيّاراتهم المفخخة. سأعطيكم مقاطع قصيرةٍ جداً من هذه الأخبار، خبر من العراق يقول: "أكدت مصادر أمنية وإدارية وطبية عراقية مقتل 105 أشخاص على الأقل وإصابة نحو 250 آخرين بجروح في هجوم انتحاري نفذ بواسطة شاحنة مفخخة استهدف بلدة "أمرلي" التركمانية الشيعية شمال بغداد صباح السبت 7-7-2007.. فيما قتل أكثر من 50 عراقياً بتفجيرين شمال بغداد وشرقها". وخبر آخر من باكستان يحدّث عن اعتصام مجموعة من المتشددين في "المسجد الأحمر"! واحتجازهم لأطفالٍ ونساءٍ كدروعٍ بشريّةٍ، يقاتلون الشرطة من المسجد ويعدون بمواصلة القتال حتى النهاية! وخبرٌ ثالثٌ من المغرب يحدّثنا أن المغرب ترفع حالة التأهب إلى الحدّ الأقصى لمواجهة تهديداتٍ إرهابيّة، إثر تهديد خطير بتنفيذ عملٍ إرهابي يتطلب تعبئة الأجهزة الأمنية، مع استحضار التفجيرات التي مرّ بها المغرب منذ ألفين وثلاثة وصولاً إلى هذا الإعلان. وخبرٌ رابعٌ عن تورّط "فتح الإسلام" في لبنان في مقتل الوزير السابق بيار الجميّل، بعد حربها مع الجيش اللبناني لمدّةٍ طالت وذهب ضحيتها الكثيرون بين قتيلٍ وجريح. وخبرٌ خامس عن تورّط طبيبٍ عربيٍ مسلمٍ في التخطيط للأعمال الإرهابية التي استهدفت عاصمة الضباب لندن، وكادت أن تودي بأرواح أطفالٍ ونساء ورجالٍ مدنيّين مسالمين، لا ناقة لهم ولا جملٌ في الصراعات السياسية أو الأيديولوجية، طبيب كان يفترض أن يعالج هؤلاء إن أصابهم مكروهٌ لا أن يسعى لقتلهم بدمٍ باردٍ ليصحّ فيه قول القائل: طبيبٌ يداوي الناس وهو عليل! بعد هذا الكمّ من الأخبار في صفحة واحدةٍ، صفحةٌ واحدةٌ تحكي عن "شريعة الإنسان" اليوم، وإلى أيّ حدٍّ وصل به الاستخفاف بالأرواح والأنفس، بعد قراءة هذا كله، اتكأت على مقعدي وبدأت أتأمل وأقارن بين "شريعة الإنسان" التي قرأتها اليوم ولم تزل تتردّد على سمعي وبصري وعقلي منذ سنواتٍ، وبين "شريعة الغاب" التي خبرتها قبل مدّةٍ قصيرةٍ، وكانت المقارنة مفاجأةً بالنسبة لي، وربما فاجأت بعض قراء هذه الكلمات. حين شرعت في المقارنة وجدت أن في شريعة الغاب حيوانات مفترسة قاتلةٌ نعم، وفي شريعة الغاب، يقتل القويُّ الضعيفَ نعم، ولكنني اكتشفت أن القويّ لا يقتل كلّ يومٍ، ولا يقتل إلا عندما يضطرّ للقتل ليأكل ما يبقيه حيّاً، فهو يقتل بدافعٍ من غريزة البقاء، كلّ هذا موجودٌ ومشاهدٌ في شريعة الغاب، ولكن ماذا عن "شريعة الإنسان"؟! في شريعة الإنسان بشرٌ أشرس افتراساً من الحيوانات، وفي شريعة الإنسان القويُّ يقتل الضعيف، والضعيف يقتل القويّ، والقويّ يقتل القويّ، والضعيف يقتل الضعيف، ولديّ ولدى كل قارئٍ أمثلة لا تحصى على كل واحدٍ من هذه النماذج البشرية المضرّجة بالدماء! في شريعة الغاب، يكون دافع القتل هو طلب الأكل للبقاء، أمّا في شريعة الإنسان فللقتل دوافع لا تنتهي، فهناك القتل بدافعٍ ديني والقتل بدافعٍ طائفيٍ، والقتل بدافعٍ مذهبيٍ، والقتل بدافعٍ سياسي، والقتل بدافعٍ سلطوي، والقتل بدافع اقتصادي، والقتل بدافع البحث عن النفوذ، بل حتى القتل بدافع المتعة لم يعد مستغرباً من كثيرٍ من القتلة المحترفين من البشر اليوم. بعد هذا التأمل، جلست أسائل نفسي، أيّ الشريعتين أحقّ بالذم؟ وأيهما أجدر بالهجاء؟ لقد كان الجواب صادماً بالنسبة لي، وكانت الأدلة أقوى من أن تترك لي مجالاً للمناورة. وأنا أُجيل خاطري في هذه الفكرة، فاجأني شابٌ يرافقني في هذه الرحلة وهو يشكو من الرسائل التي تأتيه من بعض مزوّدي الأخبار عبر رسائل الجوّال أو الموبايل قائلاً: ما هذا؟ كل الرسائل قتلٌ وتفجيرٌ وتدميرٌ وتخريب، إذا لم يكن لديهم من الأخبار مايفرح فليحاولوا أن يرسلوا لنا ولو خبراً محايداً! بعد كلّ هذا، أرجو أن نوقف تجنّينا على الغاب حين نهجو شريعته التي تعايش معها لدهورٍ طويلة، ولنجتهد لنجعل شريعة الإنسان تقترب قليلاً من شريعة الغاب، إن شريعة الغاب أكثر عدلاً ورحمةً ومنطقاً من شريعة الإنسان، بل إنّ أشرس الفاتكين في غابات الحيوان هو الإنسان! كم تذكرت، وأنا أرى ما رأيت وأقارن كما قارنت قول الشاعر المعاصر: إنّ في الغابات عرفاً/للقوي كلّ الحقوق ووحوش الغاب تمشي/ كل صنفٍ في فريق بينما الإنسان دوماً/ وحده يمشي الطريق وطباع الذئب فيه/ ليس يرضى بصديق سخّر العقل لشرٍ/ وارتماءٍ في السحيق وغدا الإنسان وحشاً/ سيّد الغاب العتيق!