في الوقت الذي تواصل فيه شعبية بوش انحدارها لدى الرأي العام الأميركي، يبدو أن بعض أسوأ السياسات التي ظلت جاثمة على صدورنا لفترة طويلة ستنهار أيضاً وتذروها الرياح. ونأمل أن تكون من بينها تلك الممارسات المشينة مثل احتجاز وتعذيب من يطلق عليهم "الأعداء المقاتلون" بشكل غير قانوني، والتي ضربت مصداقية أميركا وساهمت في تراجع صورتها في العالم. بيد أن المشكلة تكمن في السياسات الإيجابية التي قد تتأثر وينتهي بها الأمر جزءاً من الخراب العام، وضحية أخرى لإدارة الرئيس بوش التي طغى عليها العجز وانعدام التماسك، فضلاً على تدني شعبيتها إلى أدنى المستويات. ومن بين تلك السياسات التي يُخشى عليها في المرحلة المقبلة، هي ما كان بوش يطلق عليه بـ"التضامن الناشئ عن القيم المحافظة"، الذي بدأ يتهاوى ويندثر؛ بالإضافة إلى الترويج الأميركي للديمقراطية في الخارج وما تعانيه تلك الفكرة من التراجع، ثم تعزيز المسؤولية في التعليم الابتدائي والثانوي الذي سيواجه اختباراً حاسماً في الكونجرس. والواضح أن بوش قد خسر فرصته الأخيرة لتكريس مفهوم التضامن الناشئ عن القيم المحافظة وتعزيز حضوره في السياسة الداخلية الأميركية خلال الأسبوع الماضي عندما فشل في إقناع أعضاء حزبه بتقديم البشر على الحواجز في مقترحه لإصلاح الهجرة. ولئن كان بعضهم من ذلك التضامن مايزال قائماً من خلال المساعدات الخارجية التي تقدمها أميركا إلى دول فقيرة، ومكافحة الإيدز في أفريقيا، إلا أنه ما فتئ يتعرض لضغوط متنامية نتيجة سياسة خفض النفقات التي وضعها بوش. والواقع أن قيم التضامن كانت إحدى أولى ضحايا سياسة بوش المالية عندما فرض نظاماً ضريبياً يصب في مصلحة الأغنياء، بينما تزداد فيه فوارق الدخل بين الأميركيين. تلك السياسة التي جعلت الحكومة توجه أموالا متزايدة لتسديد الديون على حساب البرامج الاجتماعية. وخلافاً لمبدأ التضامن الذي روج له بوش منذ فترة طويلة، لم تكن مسألة نشر الديمقراطية محط اهتمام فعلي للرئيس عندما ترشح للانتخابات. فقد اعتنق الفكرة بعد أحداث 11 سبتمبر من دون أن ينجح في بلورتها، لا سيما في ظل الحرب المستعرة في العراق وأفغانستان، وفي ظل فشل محاولات زرع الديمقراطية في بلدان الشرق الأوسط، فضلاً عن تصاعد قوة دول غير ديمقراطية مثل الصين وإيران وروسيا. وليس غريباً في ظل هذا الوضع أن تتزايد شكوك الأميركيين إزاء نشر الديمقراطية، وبخاصة لدى "الديمقراطيين". ومن الواضح أن الديمقراطية لم تكن الهدف الأساسي الذي قاد الولايات المتحدة إلى غزو أفغانستان والعراق. أما في المناطق الأخرى من العالم لم يقرن بوش خطابه عن الديمقراطية بتحرك فعلي لدعم أسسها وإقامة أركانها. وفي هذا السياق يجادل المنظران السياسيان "فرانسيس فوكوياما" و"مايكل ماكفول" في مقال نشر مؤخراً بدورية "ستانلي فاونديشن" بأن سياسة نشر الديمقراطية التي تبناها بوش ما كانت لتتعثر لو طبقت بطريقة ذكية. فحسب المنظرين كانت قضية نشر الديمقراطية من المبادئ الرئيسة للسياسة الخارجية الأميركية وعليها أن تظل كذلك، موضحين ذلك بقولهما "لم يستفد بلد في العالم من انتشار الديمقراطية كما استفادت منه الولايات المتحدة". ويرى الكاتبان أنه ليس من اختصاص القوة العسكرية تعزيز الديمقراطية "لأنها الأقل استعداداً وفعالية لنشرها في العالم"، مقترحين إعادة توجيه المسار الدبلوماسي والارتكاز عليه، فضلاً عن إشراك المزيد من الحلفاء. ويتخوف "فوكوياما" وزميله "ماكفول" من أن الإخفاقات المتعددة التي مني بها بوش قد تقود الإدارة الأميركية المقبلة إلى التخلي عن فكرة دعم الديمقراطية، معبرين عن ذلك بقولهما "إن النتيجة المأساوية" لهذا الانفصام التام بين الخطاب والنتائج "قد يدفع الأميركيين إلى اعتبار هدف نشر الديمقراطية غير قابل للتحقيق، ومن ثم أمرا غير مرغوب فيه". وهو ما يقودنا إلى المبدأ الثالث الذي كان يعتبر إلى وقت قريب أحد الدعائم الأساسية لسياسة الرئيس بوش متمثلا في ترسيخ المساءلة في النظام التعليمي كما ينص على ذلك قانون "التعليم الإلزامي للأطفال" الذي حاز موافقة الحزبين في عام 2002. وفكرة إقرار المساءلة في النظام التعليمي بسيطة حيث ترى بأنه يتعين على المدارس تهيئة الطلاب سواء لولوج المرحلة الجامعية، أو للاندماج في سوق العمل، لذا يتعين تقييم المدارس ومراجعة نظامها على أساس تحقيق تلك الأهداف. كما يُفترض بالتقييم أن يطال جميع الأطفال بمن فيهم أبناء الأقليات، وذوو الحاجات الخاصة، أو الذين يتعلمون الإنجليزية، بحيث يتم حصر الثغرات وتحسين المستوى. غير أن الأخطاء التي انطوى عليها القانون، فضلا عن سوء التسيير وانعدام المرونة جعل الكثيرين يتشككون من جدوى الإصلاح التعليمي برمته. والأكثر من ذلك أن الجماعات القوية المرتبطة بالتعليم مثل اتحاد المدرسين في الولايات المتحدة ومجالس المدارس رفضوا عملية التقييم، فضلا عن تردد الهيئات التشريعية في الولايات الذي لفت الانتباه إلى تقصيرها الذاتي في مجال دعم التعليم. وفي ظل الضعف الذي يعاني منه بوش بدأ السياسيون من "اليمين" و"اليسار" يستجيبون لضغوط الجماعات النافذة مثل اتحاد المدرسين ويختلقون الذرائع مثل العجز في الموازنة، أو عدم التضييق على الولايات للتهرب من الإصلاح الحقيقي وإقرار المساءلة والتقييم في النظام التعليمي. والنتيجة أنه ستتم العودة إلى عالم تقوم فيه المدارس الثانوية بتخريج أميين، والأدهى أنه، في ظل غياب التقييم والمساءلة، لن يعرف أحد بذلك ما عدا الطلاب أنفسهم. ــــــــــــــــــ كاتب ومحلل سياسي أميركي ـــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"