بدأت "هيئة الطرق والمواصلات" في دبي، مطلع هذا الأسبوع، تطبيق نظام تحصيل الرسوم المرورية "سالك" على أحد أكثر الشوارع ازدحاماً، حيث تأمل "الهيئة" أن يدر عليها النظام أكثر من 163 مليون دولار سنوياً كدخل يساعدها في تمويل مشاريع إنجاز طرق جديدة. ورغم أن الرسوم التي تتقاضاها "الهيئة" تُعَدُّ رمزية ومتواضعة مقارنة بالمستويات الضريبية في البلدان المتقدمة، كما يُعَدُّ "سالك" جزءاً من منظومة حلول متكاملة للتخفيف من الازدحام المروري، فإن هذا النظام يأتي بين يدي موجة ضريبية بدأت تتجمّع في سماء الدولة. بالأمس توقع "صندوق النقد الدولي" أن تبدأ الإمارات تطبيق "ضريبة القيمة المضافة" في غضون فترة زمنية لا تتجاوز ثلاث سنوات، وأن تحذو بقية الدول الخليجية حذوها فيما بعد. وهذا النوع من الضرائب يفرض ويحسب على أساس المبيعات في جميع مراحل الإنتاج، مع خصم الضرائب على مدخلات الإنتاج من الضرائب وعلى مخرجات الإنتاج، أي أنها ضريبة تدفع من قبل المُسْتَهلِك وتُحَصَّـل من جانب المؤسسات لحساب الإدارة الضريبية. وتأتي هذه الضريبة لتضاف إلى توصيات أخرى للصندوق من قبيل تخفيف الدعم الحكومي للكهرباء والماء، علاوة على إلغاء أي استثناء ضريبي على المشروعات، وفرض رسوم عادلة على الخدمات العامة، ضمن قائمة من الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة خلال المرحلة المقبلة. قبل الإقدام على إقرار أي نوع من الضرائب، بهدف زيادة إيرادات الميزانية، أو كأحد مقتضيات الإصلاح الاقتصادي، أو غير ذلك من الدوافع والمبررات، لابدَّ من وقفة متأنيّة ودراسة شاملة ومعمّقة لكل التبعات التي يمكن أن تترتب على مثل هذه الخطوة. فالضريبة، سواء كانت على القيمة المضافة أم غيرها، لا تُفرض لمجرد اعتبارها مصدراً للدخل أو وسيلة لتنويعه في حدِّ ذاتها، ولكن ما يجب النظر إليه قبل فرضها، هو مدى تأثيرها السلبي في الاقتصاد والفرد والمجتمع، خاصة في ظل الضغوط التضخمية التي تعيشها الدولة حالياً، والتي تُشكِّل تهديداً حقيقياً للازدهار الاقتصادي الذي تنعم به الدولة. إن البدء في تنفيذ أي "حزمة ضريبية"، خلال المرحلة الراهنة، من الممكن أن يدفع معدلات التضخم إلى مستويات خطيرة لا يمكن السيطرة عليها، خاصة في ظل عدم وجود سياسة اقتصادية واضحة لكبح هذا التضخم، كما أن فرض ضرائب في ظل هذا الوضع قد يضع حدَّاً لـ"الخصوصية" التي تتمتع بها الدولة و"تنافسيتها" كمركز للأعمال والاستثمارات الأجنبية والسياحة في المنطقة، كما أن قدرة الدولة على استقطاب الكفاءات والخبرات العالمية ستقلُّ في ظل فرض أي نوع من الضرائب، أما على المستوى الفردي فإن الكثير من المواطنين خاصة من ذوي الدخل المحدود سيتضرّرون بشدة من جراء أي موجة ضريبية. إن وصفات "صندوق النقد الدولي" بشأن الإصلاح الاقتصادي يكتنفها كثير من الجدل، بل ترتب على مثل هذه الوصفات في حالات دول كثيرة نتائج عكسية مؤلمة. وعلى دولة الإمارات، والدول الخليجية جميعها، أن تبني سياساتها الاقتصادية وفقاً لما يرى قادتها وخبراؤها المحليون العارفون بشؤون بلادهم أكثر من أشخاص يجلسون في مكاتبهم على الجانب الآخر من العالم ويطالبون بتطبيق وصفات إصلاحية مكلفة لا تناسب خصوصية الدولة الاقتصادية والاجتماعية. بل والمتابع لتقارير المنظمات والمؤسسات الدولية حول الاقتصاد الإماراتي، يلحظ تناقضات جوهرية تنسف كلياً صدقية مثل هذه التقارير التي لا تعدو أن تكون نظرية في كثير من جوانبها ولا تستند إلى دلالات إحصائية وتحليلية شاملة ودقيقة، الأمر الذي يحتم على دولة الإمارات عدم التسليم بما تقول به التقارير الدولية. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية