بقدر ما يتأثر القائد بطبيعة المنصب وما يضطلع به من صلاحيات، فإنه يؤثر بعقيدته وتصوره وإدراكه في عملية صناعة القرار. فالعقيدة وإن لم يلحظها الآخرون على القائد، الذي قد لا يدرك هو نفسُه بأنه يتصرف وفقها، هي في الحقيقة نتيجة خلفيات بيئية واجتماعية تؤثِّر في تنشئة الفرد وتمتد على مدى حياته. أما الإدراك فيخضع للتصور الذي يحمله القائد عن أي فعل سياسي أو اقتصادي، هل هو إيجابي أم سلبي، محفز أم محبط، ويقود إلى الرد عليه. والتصور لدى القائد يعود من خلال سلسلة معقّدة اجتماعياً وسياسياً وثقافياً إلى العقيدة التي تؤثر بقدْر ما في تصورات القائد عن المحيط الداخلي والخارجي. ورغم ذلك، فإن أنجح القادة هم أولئك الذين لا يبالغون في إسقاطات العقيدة المركّبة على عمليات اختيار البدائل واتخاذ القرارات. وعند الإطلاع على عقيدة القائد، يمكن إدراك الكثير عن توجهاته وقراراته، لا سيما عند معرفة طبيعة المنصب ودور الدولة وتطلعاتها في الشؤون الداخلية والخارجية. ولا يخرج تناول رئيس الوزراء البريطاني الجديد جوردون براون عن هذا السياق. فمن مكان الولادة ومكانة الأب في مدينة جلاسجو الاسكتلندية الصناعية، امتزج الفكر السياسي "اليساري" السائد في المدينة بالبعد الديني الذي يمثله الأب، راعي الكنيسة، لينخرط الابن جوردن في حزب "العمال"، ويكون من أنشط شباب الجامعة سياسياً في السبعينيات. وقد بدا تأثير الأب من خلال البعد الديني، الذي يضيِّق محددات العمل السياسي في الصواب والخطأ، الذي يحيل إلى فكرة الثواب والعقاب، وهو ما كان له كبير الأثر على "جوردن" في ما عُرف عنه من هاجس إتقان العمل. وإلى جانب مصادر التأثير هذه نجده يدرس التاريخ الذي غالباً ما يجعل المرء يمحِّص قراراته وبدائله في ضوء التجربة التاريخية. وقد اشتهر بالتردد في اتخاذ قراراته الشخصية والسياسية، فقد تردد في المنافسة على زعامة حزب "العمال" بعد وفاة "جون سميث"، فاقتنص بلير الفرصة. كما تردد في الزواج من "سارة ماكولي"، وهي سيدة على قدر كبير من الذكاء. وكان زواجه منها في العام 2000 بضغط من الحزب ونزولاً عند الضوابط الانجليزية المُحِبة للبعد الاجتماعي في تكوين الأسرة، واستطاع تغيير صورته أمام الشعب بقدوم مولوده. أما في الجانب المهني، فقد أكسَبه عملُه وزيراً للمالية مدة طويلة، خبرة كبيرة في الاقتصاد وتَرك بصمته في الرخاء الذي ينعم به البريطانيون اليوم. ولا شك أن لكل هذه الخلفيات تأثيرها المباشر وغير المباشر في القائد الجديد لحزب "العمال" ورئيس وزراء بريطانيا. وإذا كانت السياسة الداخلية امتداداً لعهد بلير ما دام براون كان مهندس السياسة الاقتصادية فيها فإن ما يهمُّنا هنا هو ما إذا كانت السياسات الخارجية البريطانية، لا سيما في تحالفها مع واشنطن، ستتغير بقدوم هذا الوافد الجديد، وفيما إذا كانت ستصطبغ بما يحمله من أفكار أم أن رقعة الشطرنج قد أُغلقت. من المؤكد أن بلير مال كثيراً إلى "اليمين" في تحالفه مع أميركا وحربها في العراق، ولكن علاقة هذا الوافد الجديد قد تخيف العم سام بسبب النقابات العمالية القريبة من "براون" والمناهضة للتوجه الأميركي التدخلي في الشؤون الدولية، لا سيما أنها كانت دوماً بالمرصاد لبلير. غير أنه من قراءة منطلقات "براون" الفكرية في مختلف أبعادها التي كوّنت عقيدته لا يُتوقع أن يحدُث انفصالٌ في التحالف الأميركي البريطاني، بل سيتخذ قراراتٍ حاسمةً وفعالة داخلياً وخارجياً في إطار ما يسمى مكافحة الإرهاب. ولا يجادل أحد في أن التحالف بين البلدين ليس وليد اللحظة، بل لقد كانا معاً في الحربين الكونيتين، ولا يمكن الفصل بينهما في أحداث قد تعد عارضة بمقياس أحداث تاريخية جسام. ويضاف إلى ذلك اهتمام "براون" بالقضايا الدولية، التي تضعه دون شك إلى جانب واشنطن في تدخلاتها. وقد نجده ينحو في سياسته الخارجية إلى الدفاع عن المصالح البريطانية الاقتصادية بناء على خبرته الطويلة في إدارة وزارة المالية الاستراتيجية سعياً إلى رسم سياسات تعكس هذا التوجه. ومن ثم سيكون البحث عن أسواق واتفاقيات تجارية من أولويات الحكومة. وإذا كانت ألمانيا في أحد تقاريرها تشتكي من المال الخليجي وترفُضه في أهم الصناعات والشركات الأوروبية، فإنها قد تكون فرصةَ "براون" لجذبها إلى بلاده، التي قد لا تهمه رائحتها، وهو ما يتجلى لديه في طمأنة أصحاب رؤوس الأموال على استثماراتهم وصناعتهم، وتأكيد التزامه في نفس الوقت بالمشروع "العمالي" الجديد. وثمة نقطة مهمة محتملة، وهي دور التنافس على التكنولوجيا النووية، الذي يدفع بالقائد إلى الاهتمام بالجانب العسكري وإعادة إبراز القوة المادية في سياق النزعة العالمية بين مختلف القوى النووية، ناهيك عن تلك التي تسعى إلى دخول النادي النووي، وقد تعزَّز هذا الأمر في حربي الخليج والملف النووي الإيراني والكوري الشمالي، رغم أن غالبية البريطانيين لا يرغبون في تطوير ترسانات نووية جديدة قد لا تزيد بلادهم شيئاً في قوتها الحالية، بل ستثقل كاهل دافعي الضرائب. وأخيراً، القائد براون ليس "يساريا" بحتاً فهو- تاريخياً- بريطانيُّ التكوين بما يمثله ذلك من براجماتية تستدعي تحقيق مصالح بلاده، ولن يكون التأثير الحزبي عليه إلا بالقدر الذي يحقق هذه المصالح. أما الشؤون الأخرى فسوف يلعب فيها البعد المعرفي والتاريخي والديني والمصلحي دوراً كبيراً في رسم السياسات واختيار البدائل واتخاذ القرارات الداخلية والخارجية. براون مدعو إلى إبراز ملامح قيادته في أول اختبار له في محاولات تفجيرات لندن وجلاسجو التي بدا فيها البعد الديني جلياً عندما وصفها بالعمل الشيطاني، الذي لا يمكن تبريره بالإيمان. فأي بعدٍ ستكون له الغلبة في قيادة براون، أم أن مسار الرجل قد تحدَّد من البداية؟!