"الناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم"، هكذا جاء الأثر المرويّ عن علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه، فتأثير العصر ومعطيات الواقع على الناس ظاهر ولا يحتاج لدليل، فوفقاً لمعطيات الواقع وأحداثه وأولوياته يتشكّل عقل الناس ووجدانهم وعملهم بغض النظر عن مكانة هؤلاء الناس أو تخصصاتهم أو قدراتهم. "المُفْتُون" أو من يصدرون الفتاوى، هم بالتالي جزء لا يتجزأ من الناس، يتكوّنون داخل ذات المعطيات ويمتلكون نفس الخبرات، ولكنهم يتميّزون بأنهم يتخصصون في شيء من العلوم الشرعية حتى يصلوا إلى مرحلة إصدار الفتاوى في المجالات التي أتقنوا تخصصها، وامتلأوا بها معرفة ودرساً، أو هكذا يفترض فيهم. إلا أنّ المفتي بحكم كونه بحراً يتأثر بالظروف المحيطة به، ويتأثر بالأبعاد النفسية والتكوين المعرفي الجمعي والفردي، والبيئة التي نشأ فيها، وطريقة التفكير التي تدرّب عليها، بحكم ذلك كلّه فإنه يختلف عن مفتٍ غيره اختلافاً يصل حدّ التباين في المنهج والتوجّه، وبالتالي في النتيجة النهائية التي يصدرها كلٌ منهما، والتي تمّ الاصطلاح على تسميتها "الفتوى". من أجوده تعريفات الفتوى ما كتبه الشيخ محمد الأشقر في كتابه الواضح وذلك بقوله إنها:"الإخبار بحكم الله تعالى عن دليلٍ لمن سأل عنه، في أمرٍ نازل". ثمّة مواصفات جودةٍ –بالتعبير الحديث- يجب أن تتوفّر فيمن يتصدّى للإفتاء، كان العلماء قديماً يضعونها تحت مسمّى "شروط المفتي" أو نحوها من العناوين، حين نقلّب صفحات كتب الأصول نجد أن هذه المواصفات التي ينبغي أن يتّسم بها المفتي قد تشدّد علماء الأصول فيها كثيراً، فهم يشترطون فيها شروطاً تكاد أن تكون– لدى بعضهم- تعجيزيّة، وذلك حرصاً على وظيفة الإفتاء ألا يتلاعب بها الجهلة وذوو الشبر الواحد في العلم الشرعي وفقاً للأثر الذي يقول:إن العلم ثلاثة أشبار من أخذ الشبر الأول تكبّر، ومن أخذ الثاني تواضع ومن أخذ الثالث علم أنه لا يعلم شيئاً. وقد كان العلماء يكثرون من قول لا أدري حين يستفتيهم الناس، وكانوا يقولون من قال لا أدري فقد أفتى، وكان الإمام مالك يأتيه السائل من العراق إلى المدينة يسأله في أربعين مسألة يجيب في غالبها بكلمة: لا أدري. في عصر السرعة، أصبح لدينا اليوم "فتاوى على الهواء"، و"فتاوى تيك أوي"، و"فتاوى ما يطلبه المستفتون" على وزن "ما يطلبه المستمعون"، صفحات في الجرائد والمجلات، ونشرات توزع ذات اليمين وذات الشمال، ومواقع على الشبكة العنكبوتية، وبرامج تزدحم في الفضائيات فضلاً عن استمرار المسارب التقليدية للفتوى، التي تتمّ عبر السؤال المباشر. نحن اليوم نعيش عصراً غير مسبوق تاريخياً فيما يتعلق بالتساهل في "مواصفات الجودة" في من يُنصًّبُ أو يُنصٍّبُ نفسه مفتياً، فكل من تمسّح بالعلم الشرعي ولو قليلاً نصّب نفسه مفتياً وموقّعاً عن ربّ العالمين. أصبح المفتون أكثر من المستفتين في هذا العصر، لا سيّما ونحن نرى أنه يكاد يكون لكل جماعة مفتٍ أو أكثر، ولكل فرقةٍ جملة من المفتين، ولكل مجموعة منهجٌ في الاستفتاء والفتوى! وما أرمي إليه هنا بعيداً عن الإشكالات السابقة التي تعتور مسألة الفتوى هو الحديث عن غرائب الفتاوى التي تصدر من عالمٍ شرعيٍ يتحدث فيما لا يحسن، وقديماً قيل: من تكلم في غير فنّه أتى بالعجائب!، وقد تحدّث عددٌ من العلماء قديماً عن اختصاصاتٍ لا يكون الحكم فيها للمفتي بل لصاحب التخصص، فتحدّث ابن تيمية وابن القيم وقبلهما الإمام الجويني عن أن الحكم في المصلحة في الأمور العسكرية يعود للعسكر، وتحديد بعض مسائل البيوع يعود لأهل السوق لا للمفتي، وغيرها من المسائل.ا لقد جلب هذا الواقع الحادث فتاوى غرائبية، دوّخت المتلقي، وأضاعت المستفتي، حتى بات هذا الأمر مألوفاً، وأحياناً محلّ تندّرٍ وسخرية، ولا يزال الناس يرددون الطرفة تلو الأخرى حول الفتوى المضحكة عن إرضاع الكبير في أماكن العمل، وكان للناس الحقًّ كلّ الحقّ في السخرية بهكذا فتوى تصدر في هذا الزمن وبالطريقة التي صدرت بها. في هذا السياق فإن من غرائب الفتاوى أن أحدهم سأل أحد المفتين الكبار عن "الديمقراطية" فقال المفتي بكلّ تواضع العالم: لا أعرفها!، سُئل غيره عن "الليبرالية" فقال: إنها كفرٌ وردّةٌ، فكم كان في تواضع الأول من علمٍ، وفي تسرّع الآخر مما لا يمكن أن يحسب له! وفي الوقت الذي تبدو "العولمة" فيه ركيزةً من الركائز الكبرى، تلك الركائز التي تشكل صورته العامة، وهي–أي العولمة- حالةٌ عالميّةٌ ضخمة ومكتسحة، وهي في توسّع وانتشارٍ لا انكماشٍ وانكفاء، وحين سئل أحد المفتين عنها أجاب-بما معناه- لقد نصحنا وليّ الأمر عنها ووعدنا بأنه سيمنعها! مفتون يفتون بأن قتل الأطفال والنساء قربةٌ إلى الله وجهادٌ في سبيله، ومفتون يفتون بأن الكهرباء حرامٌ والسيّارات كبيرةٌ من الكبائر، والراديو والتلفزيون سحرٌ أكبر وخوارق شيطانيّة، وغيرهم يفتون بأن الورد حرامٌ وإهداءه من الكبائر، وآخرون يفتون بصنوفٍ عجيبة وغريبة من الفتاوى التي تنشر الكآبة وتشيع البغضاء وتوزّع الكراهية بالمجّان بين المجتمعات، فتاوى تسير تماماً عكس عقارب الزمن والتقدم والنهضة والعمران. رحم الله الإمام الأعمش فقد كان يقول: إذا رأيت الشيخ ليس عنده شيءٌ من العلم أحببت أن أصفعه، وذلك على ذمّة ما رواه الإمام ابن الجوزي الحنبلي في كتابه الحمقى والمغفّلين. لقد تمّ تحويل وظيفة الفتوى الأصلية من كونها إبانة للحكم الشرعي، لتصبح اليوم سلاحاً يشهره حمقى المفتين على خصومهم حين يأخذهم المتطرفون من تلاميذهم ذات اليمين وذات الشمال بأسئلة مفخّخة وكلماتٍ تثير لديهم الغضب الديني تجاه المخالف، دون أن يسعوا للتثبّت بأنفسهم من فحوى السؤال الملغّم الذي تمّ تقديمه لهم. ليس هذا الداء حديثاً ولكن له سوابق في تاريخنا الفقهي، ومن شاء فليقرأ فتاوى السبكي في ابن تيمية، أو فتاوى بعض الحنابلة في مخالفيهم، أو فتاوى بعض الشافعية في الحنفية أو العكس، ليرى بأم عينه ما يندى له جبين الفقه والفتوى بمنزلتهما الرفيعة في الإسلام، وليعلم كذلك ان الفقهاء على مر العصور كانوا بشراً يصيبون ويخطئون، ويعدلون ويظلمون، ويقولون الحق للحق، ويقولون الحق لأن فيه نصرة لأنفسهم، وربما ألبس بعضهم عقده النفسية ومعاركه الشخصية مع خصومه لباس الدين والحق والقداسة، وجعل تصفيته لحساباته حكماً لله لا تجوز مخالفته أو الحياد عنه أو التردد في نصرته في مهزلة تاريخية تسعى –دون وعيٍ- لتدنيس المقدّس وذلك حين تلطّخه بأوضار البشرية الحاسدة والحاقدة والمنتفعة.