راجعت المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأميركية قرارها السابق ووافقت على سماع الدعاوى التي يتقدم بها المعتقلون في جوانتانامو للطعن في قرار اعتقالهم أمام المحاكم الأميركية. وهذا القرار يعد المسرح لمعركة قضائية يمكن أن تصوغ شكل المساجلات، التي ستدور في أروقة إدارة بوش حول مراكز الاعتقال الأميركية التي غدت هدفاً لانتقادات دولية مستمرة. والقرار الأخير الذي تطلب الحصول على أصوات خمسة من بين تسعة قضاة يبطل قراراً سابقاً رفض فيه قضاة المحكمة العليا النظر في قرار اتخذته محكمة استئناف فيدرالية ضد المتهمين. ولم تقدم المحكمة العليا تفسيراً لقراره، ولكن خبراء القانون يقولون إن معنى القرار هو أن القضاة سيستمعون إلى طلب الاستئناف بأكمله في دورتهم التالية – ربما في ديسمبر المقبل. ويقول الخبراء القانونيون إنه لم يسبق خلال العقود الماضية أن وافقت المحكمة الفيدرالية على التراجع عن قرار كانت قد اتخذته بشان أي قضية من القضايا. وقرار المحكمة الأخير- في حالة تنفيذه- سيكون بمثابة تحد لواحد من المبادئ الأساسية التي تتمسك بها الإدارة بشأن الاعتقال وهو أنه بمقدورها" القبض على محاربي العدو والاحتفاظ بهم" دون أن تسمح لهم بالاستفادة من الحقوق القانونية للمعتقلين، والتي تطبق منذ قرون في المحاكم الأميركية والبريطانية. وقد رفضت مصادر وزارة العدل الأميركية التعليق على قرار المحكمة العليا الجديد، على الرغم من أنه من المعروف جيداً من واقع تصريحات سابقة لمسؤولين في الوزارة، أنها تعارض الآراء المتعلقة بعدم شرعية الإجراء الخاص باعتقال "مقاتلي عدو" وإبقائهم رهن السجن. وكانت وجهة نظر الإدارة الأميركية بشأن شرعية اعتقال تقوم على أن السماح لهؤلاء المقاتلين بالمثول أمام المحكمة للنظر في شرعية أو عدم شرعية اعتقالهم، سوف يؤدي إلى شل قدرة القادة العسكريين أثناء الحروب وسيشغلهم بقضايا ليست من صميم اختصاصهم لأنهم سيضطرون إلى انتظار قرار المحكمة في كل حالة من حالات احتجاز مقاتلي العدو. ويذكر في هذا السياق أن الكونجرس كان قد مرر العام الماضي قانوناً ينزع عن المحاكم الفيدرالية الحق في سماع القضايا التي يرفعها معتقلو جوانتانامو للطعن في شرعية اعتقالهم. وقد أعرب المحامون الذين يترافعون عن 375 رجلاً معتقلين في القاعدة البحرية الأميركية في كوبا(جوانتانامو) على قرار المحكمة العليا غير المتوقع عن سعادتهم البالغة بهذا القرار. ويذكر أن هؤلاء المحامين كانوا قد رفعوا 300 قضية طعن في قانونية احتجاز المعتقلين الذين يدافعون عنهم، وأن تلك القضايا كانت تأخذ في ذلك الوقت دورتها العادية في الجهاز القضائي عندما مرر الكونجرس القانون المشار إليه أعلاه، والذي نزع عن المحاكم الفيدرالية حق سماع القضايا التي يرفعها معتقلو جوانتانامو. ونظرا لأنه كان من المعروف أن الأعضاء "الديمقراطيين" في الكونجرس كانوا يضغطون من أجل منح المعتقلين في جوانتانامو حق الاعتراض على قرارات اعتقالهم، فإن المراقبين يتوقعون أن يؤدي صدور القرار الأخير من المحكمة العليا، إلى زيادة الضغط السياسي الذي يمارسه "الديمقراطيون" لتمرير هذا الإجراء في الكونجرس(على الرغم من أن مسؤولي الإدارة قالوا إن الرئيس ربما يستخدم حق الفيتو لمعارضته وضمان عدم تمريره). بيد أنه حتى لو تم ذلك، واستخدم الرئيس "الفيتو" لمعارضة هذا القرار- وهو ما يظل احتمالاً حتى الآن- فإن الأمر الذي لا شك فيه هو أن قرار المحكمة العليا سيؤدي إلى زيادة الضغوط على الإدارة من أجل إغلاق معتقل جوانتانامو. والجدير بالذكر أن الرئيس بوش، وعلى الرغم مما يقال عن معارضته لقرار المحكمة العليا، كان قد صرح- شاركه في ذلك بعض مسؤولي الإدارة أيضاً- أنه يود إغلاق معتقل جوانتانامو إلا أن ما يحول بينه وبين ذلك، هو إيجاد مكان بديل للاحتفاظ بالمساجين الذين يتصفون بالخطورة الفائقة، وهو أمر يتسم بصعوبة بالغة. غاية التعقيد والصعوبة. والقرار الصادر من المحكمة العليا أول من أمس يدل على أن القاضي" انتوني إم. كنيدي" الذي كان قد عارض سماع القضية في شهر إبريل الماضي قد غير موقفه. وعلى الرغم من أن مصادر المحكمة العليا لم تعلن عن أسماء القضاة الذين عارضوا القرار وهؤلاء الذين وافقوا عليه، فإنه تتوافر في الوقت الراهن دلائل على أن موقف كنيدي من هذه القضية كان محورياً. ويقول رجال القانون سواء منهم المؤيدون لموقف الإدارة من تلك القضية والمعارضون له، إنه من المتوقع أن تركز المراجعة التي قررتها المحكمة على مدى قانونية جلسات الاستماع العسكرية التي نظمتها الإدارة، لتحديد ما إذا كان يتعين اعتقال المقاتلين التابعين للأعداء أم لا. ويذكر في هذا السياق أن الجلسات المغلقة التي تم تنظيمها في هذا الشأن، والتي أطلق عليها اسم "محاكمات مراجعة أوضاع المقاتلين التابعين للعدو"، كان من غير المسموح فيها للمعتقلين الاستعانة بمحامين أو حتى الإطلاع على الأدلة المقدمة ضدهم، والتي كانت تبرر اعتقالهم أو الاستمرار في اعتقالهم. وقال محامو المعتقلين في ذلك الوقت أن جلسات الاستماع تلك لم تكن سوى مجموعة من الإجراءات المصطنعة، والتي لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبارها بديلاً عن المراجعات التي تتم بواسطة القضاة الفيدراليين. وفي الثاني والعشرين من يونيو، وفي الوقت الذي كانت فيه المحكمة، تبحث ما إذا ما كان يتعين عليها مراجعة قراراها المتخذ في شهر أبريل الماضي، فإن المحامين قدموا تظلماً كتابياً ينتقدون فيه إجراءات السماع السرية. في ذلك التظلم وصف ضابط الاستخبارات الاحتياطي "سيتفن ئي. إبراهام" عملية جمع الأدلة التي كانت تتم بشأن المعتقلين بأنها تتم بطريقة عشوائية، وقال إن القادة العسكريين قد مارسوا ضغطاً على المحاكم لإقناعها بأن مقاتلي العدو كان يتم احتجازهم وفقاً لإجراءات صحيحة. وعلى الرغم من أن القادة العسكريين قد صرحوا بأنهم يختلفون مع ما قاله "إبراهام"، فإن المحامين المنخرطين في القضية قالوا أمس إن ذلك التظلم ربما يكون قد ساعد على إقناع رجال العدالة بضرورة فحص قانونية إجراءات اعتقال مقاتلي العدو في جوانتانامو على نحو أكثر صرامة. ويليام جلابرسون محرر الشؤون الخارجية – نيويورك تايمز ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"