أعلنت كاترين هيوز مسؤولة الشؤون العامة في وزارة الخارجية الأميركية، أن الرئيس جورج بوش يريد تعيين ممثل شخصي له لدى منظمة المؤتمر الإسلامي لتوثيق العلاقة مع العالم الإسلامي. وكانت الإدارة الأميركية في ولاية بوش الثانية قد عينت زلماي خليل زاد سفيرها بالعراق مندوباً أميركياً لدى الأمم المتحدة خلفاً لبولتون. وزلماي خليل زاد أميركي من أصل أفغاني، سبق له أن لعب أدواراً مهمة في السياسة الخارجية الأميركية تجاه العرب والمسلمين في أفغانستان والعراق، وبوصفه مبعوثاً خاصاً للرئيس في عدة مجالات ومناسبات تتصل بالعلاقة المضطربة بين الولايات المتحدة والعرب والمسلمين في السنوات الأخيرة. ولا تقتصر إشارات "التفهم والصداقة" من جانب الرئيس بوش في الآونة الأخيرة على هذين الأمرين. فكاترين هيوز نفسها، التي عملت في السنتين الأخيرتين مع الرئيس بوش ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، انصب اهتمامها على مراجعة التوجهات تجاه العرب والمسلمين، واستكشاف إمكانيات التحسين والتطوير. وبدا هذا التغيير الخفي والتدريجي في تقارير معاهد الأبحاث المحافظة، القريبة من البيت الأبيض، والتي دأبت في عام 2007 على الخصوص، على التركيز على أمرين اثنين: الشكاوى المحقة للمسؤولين العرب من سياسات الولايات المتحدة، وإعادة النظر في مقولة الإسلام المتطرف والآخر المعتدل، باتجاه التشجيع على إشراك ذوي الشعبية، والذين لا يمارسون العنف في إدارة الشأن العام في العالمين العربي والإسلامي. وأخيراً فإنه منذ النصف الثاني من عام 2006 تتكاثر تحركات المسؤولين في الإدارة الأميركية من مدنيين وعسكريين باتجاه "الحديث" مع السُّنة بالعراق حتى المقاتلين منهم، وباتجاه التشاور مع العرب في وقائع التوتر بين أميركا وإيران. وما جاء ذلك كله طبعاً، بعد سنوات خمس من الحصار والإضعاف (2001 - 2006)، لأن الأميركيين عرفوا الحق فمالوا لاتباعه، بل كان ذلك بسبب فشلهم في إحلال الأمن والاستقرار بالعراق، والفشل في إخماد نشاطات "القاعدة"، والفشل في إنهاء "طالبان" بأفغانستان، وتمرد إيران على المساكنة السابقة، والفشل أخيراً في تحسين صورة الولايات المتحدة في البلدان العربية والإسلامية، كما أظهرت الاستطلاعات الواسعة والمتوالية. ولاشك أن المسؤولين العرب يسمعون من الأميركيين في السنتين الأخيرتين كلاماً مختلفاً عما سمعوه في السنوات القليلة السابقة بعد 2000- 2001 لكن هناك ثلاثة أمور يمكن استخدامها محكاً للتواصل والتغيير: السياسات تجاه الإرهاب، والسياسات تجاه العراق، والسياسات تجاه مبادرة السلام العربية. في مجال السياسات تجاه الإرهاب تغير سلوك الإدارة الأميركية تجاه العرب تغيراً محسوساً. فبعد أن كانت تعتبرهم بين العامين 2002 و2005 شركاء في إرهاب "القاعدة" أو عاجزين على الأقل، صارت تعتبرهم شركاء في مكافحة ذلك الإرهاب، وبخاصة أنها رأت إقدام "القاعدة" والجهات الأخرى المستظلة بها أو المستغلة لها، على نقل العنف الذي تمارسه ضد الولايات المتحدة وأوروبا إلى الدول العربية والإسلامية من طريق التفجير والانتحاريات. صحيح أنه ما أمكن حتى الآن دحر ذلك الإرهاب على المستويين العالمي والعربي/ الإسلامي، لكن أحداً ما عادت لديه أية أوهام بشأن مسألتين: أن العرب مستهدفون بالإرهاب مثل الولايات المتحدة والغرب وأكثر، وأن الإرهابيين وممارسي العنف غير المنظمين في الأصل، يُعاد توجيههم والتسهيل لهم أو استعمالهم لضرب الاستقرار والأمن، والإضرار بمصالح الولايات المتحدة والغرب، وكل ذلك على الأرض العربية. وتبقى المسألتان اللتان ما يزال يسود بشأنهما تفاوت كبير بين العرب والولايات المتحدة. المسألة الأولى في العراق، والذي تسبب غزوه وتخريبه في كل هذه الفوضى السائدة في المنطقة، وهو المشكلة الأكبر بين العرب والأميركيين في السنوات الأخيرة. لقد استطاعت المقاومة بالعراق (وبعضها أصولي أو عنيف أو حتى إرهابي) أن تكسر شوكة الأوحدية القطبية، وأن تُرغم الولايات المتحدة على تغيير سياستها باتجاه الاستيعاب والتوازن بدلاً من الاصطفاف والمواجهة. بيد أن ذلك لم ينعكس بعد إيجابيةً في التعامل مع أطراف الداخل العراقي، ولا دفع لإشراك العرب بطريقة ملائمة في إعادة بناء وحدة العراق ودولته. ويرجع ذلك إلى أن الإدارة البوشية لا تريد أن تكتب على نفسها الهزيمة أو تعترف بها، فضلاً عن مسؤوليتها عن الخراب الداخلي، وعن تعاظم النفوذ الإيراني في العراق، وربما في بلدان عربية وإسلامية أخرى. فقد أنشأت الإدارة الأميركية بالعراق نظاماً سياسياً قائماً على المحاصصة الطائفية، في إدارة الشأن العام، وقائماً على إثارة فئة على فئة، وقائماً أخيراً على إعطاء شبه استقلال للأكراد، أي تقسيم العراق، وليس إلى كرد وعرب فقط، بل وإلى ما استتبع ذلك من انقسام شيعي/ سُني بحيث صار بعض العرب العراقيين أكثر حماساً للفيدرالية من الأكراد. بيد أن أسوأ ما حصل للعراق بعد الغزو هو تلك الشراكة التي قامت بين إدارة بوش وإيران لإسقاط صدام حسين، واستمرت بعده. وما تذمر الأميركيون من النفوذ الإيراني إلا بعد خلافهم مع الإيرانيين على عدة أمور أهمها البرنامج النووي هناك. وهكذا فالذي يرثه العرب من الأميركيين (هذا إذا ورثوا شيئاً) إنما هو العراق المخرَّب المتساقط الذي تشتعل فيه النزاعات العرقية والمذهبية، والذي صارت إيران فيه عاملاً قوياً وفاعلاً. وقد حصل قبل أربعة أشهر أمر سيئ آخر وسط حديث الأميركيين عن تغيير سياساتهم بالعراق! لقد أقبلوا على التفاوض مع الإيرانيين بشأن العراق، وما اهتم الأميركييون ولا الإيرانيون طبعاً باستقدام العرب والأتراك إلى طاولة التفاوض، وهكذا فإن هذا الملف المشتعل يظل عاملاً سلبياً قوياً في العلاقات الأميركية/ العربية، ولا يعني ذلك أنه لابد من إلغاء التدخل الإيراني. فالعراق على حدود إيران، وله تأثير في مصالحها الوطنية. لذلك لابد من توسيع إطار للتفاوض بحيث يشمل الأميركيين والإيرانيين والسوريين والأردنيين والسعوديين والكويتيين. ويبقى الأمر الثالث، أمر المبادرة العربية للسلام، والتي ما يزال العرب يطرحونها منذ مؤتمر القمة العربي ببيروت عام 2002. في البداية تلقاها الأميركيون بالإدانة والاستنكار، بحجة أنها لا تتلاءم وحقائق الموقف. وقد اشتعلت وقتها الحرب على الإرهاب، واستطاع شارون إقناع بوش بدون جهد كبير بأنه يمكن ضم القضية الفلسطينية كلها إلى ملف الإرهاب! وبعد خراب كبير وآلام إنسانية وسياسية هائلة امتدت لأكثر من خمس سنوات طوال ومضنية، أعاد العرب في قمة الرياض تصويب المسار باتجاه مبادرة السلام، لكن الأميركيين قابلوا المبادرة ببرود، وانقسم الإسرائيليون بشأنها، في حين عارضها عملياً كل من سوريا وإيران، وبعد جهد جهيد وبعد الاحتراق، بل الاشتباك بين "فتح" و"حماس" تحركت اللجنة الرباعية ببطء، دون أن يصل الأمر إلى أفق نصب الطاولة للمفاوضات. وما لم يعمل الأميركيون والأوروبيون مع العرب والفلسطينيين والإسرائيليين للعودة إلى المفاوضات بسرعة، والبدء بإجراءات بناء الثقة (فك الحصار في الضفة، وإيقاف بناء المستوطنات، وإيقاف تهويد القدس العربية والحفريات في الأقصى)، فإن السياسة الأميركية "الجديدة" لن تكون لها صدقية. لقد تسبب التدخل الأميركي العنيف بزعزعة الأمن في المنطقة، وجرَّأ الأصوليين وإيران على الهجوم الذي ما يزال مستمراً في فلسطين ولبنان إلى جانب العراق. ولكي يحل التعاون بدلاً من المناكفة أو التجاهل بين الأميركيين والعرب، لابد من ظهور التغيير في السياسات في العراق وفلسطين، كما ظهر في ملف مكافحة الإرهاب، وبدأ يظهر في دعم الأمن والاستقرار بلبنان. لقد تجاوز الأمر الهيمنة وممارستها، لكنه لا ينبغي أن يصبح ابتزازاً من جانب أميركا أو من جانب إيران!