كيف سيتذكر العالم تركة الرئيس جورج بوش بعد أن يغادر منصبه؟ وماذا سيسجل عنه التاريخ؟ هذان السؤالان وغيرهما هو ما يسعى "جلين جرينوولد" للإجابة عنه في كتابه الذي نعرضه اليوم "الإرث المأساوي: كيف دمرت ذهنية الخير ضد الشر رئاسة بوش". فمن خلال هذا الكتاب الذي جاء في وقته المناسب مع قرب انتهاء فترة بوش الثانية في البيت الأبيض وتصاعد الأصوات المنادية بمراجعة وتقييم رئاسته يحاول المؤلف فحص تركة الرئيس بوش وتسليط الضوء على تداعياتها المستمرة على الولايات المتحدة. فما بني على أرضية هشة وقام على أساس ضعيف في بداية الرئيس بوش وما رافقها من لغط حول طريقة انتخابه، سرعان ما تعزز بعد ذلك إثر هجمات 11 سبتمبر عندما التف الرأي العام حول إدارته، لكنه ضيع رصيده السياسي بسبب نظرته الضيقة إلى العالم التي تقسمه إلى معسكرين، واحد للخير والآخر للشر. فعلى امتداد الكتاب يتعقب المؤلف صعود إدارة بوش وسقوطها المدوي حسب رأيه محللاً الخطاب الذي استخدمه الرئيس بوش وكاشفاً في الوقت نفسه التصورات المغلوطة التي بنى عليها سياساته. يبدأ المؤلف بالإشارة إلى التاريخ المهم والمنعطف الحاسم في إدارة الرئيس بوش عندما أعلن في 12 سبتمبر 2001 أمام الأميركيين ما سيعتبر الخط الناظم لمسيرته منذ ذلك الوقت، حيث قال "سيكون هذا صراعاً كبيراً للخير ضد الشر". واعتماداً على عقيدته وإيديولوجيته الواضحة كانت نظرة بوش إلى العالم بسيطة وثنائية، بحيث يتعين على الشخص أن يختار معسكره وينحاز إلى طرف دون الآخر. لكن المؤلف ينتقد تقسيم بوش للعالم على أساس الخير والشر، مبرزاً ليس فقط الأخطار المترتبة على ذلك، بل أيضاً الأسباب الكامنة وراء هذه الرؤية. فمن الأخطار المحدقة التي يحذر منها الكاتب في سياسة إدارة الرئيس بوش انزلاقها في معركة ضارية ضد ما تعتبره شراً مطلقاً في العالم وصعود موقف ذرائعي يغلب الوسيلة على القيمة نفسها. فإذا كان الرئيس بوش يرى في مواقفه حقاً مطلقاً لا يرقى إليه الشك، وهو بهذا يحظى بسلطة كبيرة من قبل المؤسسة التشريعية، فهو يجعل من هذا الحق في شن الحروب والانخراط في ممارسات باسم الشعب الأميركي غاية تبرر الوسيلة. والأخطر من ذلك أنه حتى القيود التي قد يراد فرضها على الحرب الضروس ضد الشر تعتبر عراقيل وعقبات أمام تطبيق أجندة الخير والدفع بتطبيقه في العالم. فطبقاً للرؤية "المانوية" التي تفصل فصلاً تاماً بين الخير والشر لا توجد مهمة أكثر إلحاحاً من مهمة هزيمة الشر ودحره، وبالتالي لا وجود لتبرير مهما علا شأنه يحول دون مواصلة الحرب للقضاء عليه. ولأن النظرة الثنائية للعالم تحجب عن أعين المقاتل المنضبط في حربه المستعرة ضد الشر أي قدرة على تمحيص الوسائل المستخدمة، فإنه غالباً ما يعجز عن مساءلة الأساس الأخلاقي الذي تقوم عليه الحرب. ويواصل الكاتب طرح تساؤلاته حول بوش المحارب العنيد في الحرب على الشر وكيف يمكن لعمل نبيل يرمي إلى إحلال الخير في العالم وإضعاف قوى الشر أن يتحول إلى شيء آخر غير الخير؟ لذا يرى الكاتب أن اليقين الأخلاقي الذي يستند إليه بوش قد تنتج عنه ممارسات وسياسات لاأخلاقية، وكأن البحث عن الفضيلة يبرر السقوط في الرذيلة. الذهنية الإطلاقية التي يعتمد عليها بوش في صياغة سياساته الخارجية تقدس، كما يقول الكاتب، الأمن والسلامة الجسدية وتجعلها فوق كل شيء. فعندما وقع الرئيس بوش على قانون إنشاء "اللجان العسكرية" في أكتوبر 2006 أقصى جميع الانتقادات التي سيقت ضده وبرر ذلك قائلاً "إن السؤال الأساسي الذي سيطرحه التاريخ هو: هل أخذ هذا الجيل من الأميركيين الخطر الذي يتهددنا على محمل الجد؟ وهل قمنا بما يلزم لدحره؟". هذا التصريح يوضح لنا أحد التداعيات الناجمة عن رؤية بوش الثنائية وحربه على الشر والمتمثلة في تعظيم الخطاب الأمني والتركيز على حماية الولايات المتحدة. ويبقى التبرير الأمني حاضراً في جميع خطابات الرئيس بوش ليتحول الأمن القومي الأميركي إلى هدف يفوق في أهميته باقي التصورات المجردة والقيم التقليدية التي شكلت في السابق الأساس الذي قامت عليه الولايات المتحدة. فقيم مثل الحرية والانفتاح واحترام الخصوصيات لم تعد قادرة على مواجهة اندفاع الخطاب الأمني الذي يسعى إلى تحقيق أعلى درجات الأمن الداخلي. بيد أن مجمل نظام الحكم في أميركا ومنذ نشأته، يقول المؤلف، يعمل بحسابات مغايرة لتلك التي يتبناها بوش، بمعنى أن هناك أشياء أخرى تكتسي أهمية كبيرة وتحتل مكانتها الأساسية إلى جانب تأمين الحماية للأمن القومي الأميركي. لكن مبالغة بوش في استحضار التهديد الأمني أحدثت تغييرا في تفكير الأميركيين الذين باتوا أكثر تقبلاً لفكرة الخطر. ويرى المؤلف أن المطالبة الدائمة باحترام القيم الأساسية، حتى ولو فتحت الباب أمام بعض التهديدات الأمنية، هي ما جعل أميركا قوية وحرة. لذا تضمن الدستور الأميركي العديد من القيود التي تحرص على الحد من السلطات الحكومية وتجعلها تحت الرقابة الشعبية الدائمة من خلال الكونجرس. فلو ثبت مثلاً أن مجرماً يعيش في أحد الأحياء لما استطاعت الشرطة دهم جميع المنازل والتفتيش عنه، لأن ذلك يخرق الحريات. وعلى رغم أن التفتيش قد يؤدي إلى القبض على المجرم في وقت وجيز، إلا أن الرأي العام يؤْثر التقيد بالحريات على خرقها حتى لو ظل المجرم حراً طليقاً لبعض الوقت. وفي ختام تحليله يخلص المؤلف إلى أن ذهنية الرئيس بوش تفترق تماماً مع المبادئ الأميركية الأساسية، فالأخطاء التي ارتكبتها أميركا على مر التاريخ لم تكن تلك الناجمة عن فشل في التصدي للتهديدات والأخطار الأمنية، بل بالعكس من ذلك نجمت عندما بالغ المسؤولون الحكوميون في تصوير الشر المتربص بأميركا، وهو ما قاد أحياناً إلى كوارث كان آخرها الحرب على العراق. زهير الكساب --------------- الكتاب: الإرث المأساوي: كيف دمرت ذهنية الخير ضد الشر رئاسة بوش المؤلف: جلين جرينوولد الناشر: كراون بابليشينج جروب تاريخ النشر: 2007