هل ستستمر الهيمنة الأميركية على شؤون العالم إلى ما لا نهاية؟ كان هذا هو التساؤل الرئيسي في اجتماع بين الأوروبيين وبعض خبراء دول الشرق الأوسط في برلين الأسبوع الماضي. هناك شعور مشترك بين سكان هاتين المنطقتين بتلك الهيمنة، وبالتالي محاولة بناء أرضية مشتركة للحد منها. ولم تقم هذه الرغبة على تصور خيالي بين الخبراء ولكن على تصور واقعي لحقائق القوة الأميركية بأبعادها المختلفة، عسكرية، اقتصادية، أو حتى في مجال العلوم والفنون أو ما يسمى بالقوة اللينة Soft Pawer. ولمعالجة إنشاء رابطة أو تجمع محدد بين هذه الدول ومجتمعاتها فقد كان محور اجتماع برلين الدولي عن علاقات دول المتوسط، أي الدول التي تطل على هذا البحر التاريخي سواء في شماله الأوروبي أو في جنوبه الشرق الأوسطي بما فيه بلاد مثل تركيا بالإضافة بالطبع إلى بعض البلاد العربية. وعلى رغم أن هذه الاجتماعات هي في جوهرها علمية وتجمع بين خبراء وباحثين أكاديميين، فإن الهدف السياسي -أي العمل على إنشاء تجمع مشترك قد يؤدي إلى نظام متعدد الأقطاب- كان موجوداً منذ أول اجتماع في سبتمبر الماضي في جنوب فرنسا. وكان هذا الهدف السياسي أكثر وضوحاً في الاجتماع الأخير في مدينة برلين، بمعناها التاريخي ووزنها المعاصر كعاصمة لأكبر القوى الأوروبية والتي ترأس حالياً الاتحاد الأوروبي. فقد اشترك في الاجتماع الأخير هذا بعض السياسيين ابتداء من السفير المصري في ألمانيا، إلى رئيس البرلمان المغربي الذي جاء خصيصاً للاشتراك في هذا الاجتماع، إلى بعض الوزراء السابقين، من الجانب العربي أو الأوروبي، وكذلك بعض موظفي الاتحاد الأوروبي. كما أن هذا الاجتماع الثالث والأخير بدأ أيضاً بداية سياسية، وذلك بسبب مداخلة عضو إسرائيلي- أميركي، الذي أعلن بكل وضوح وصراحة أن الكلام عن مجموعة متوسطية تجمع بين أقطار شمال هذا البحر وجنوبه هو كلام خيالي، لأن هذه المجموعة المفترضة تقوم فقط على الجغرافيا والاشتراك في بعض مظاهرها مثل الأجواء المشمسة والتعود على النوم بعد الغداء بسبب حرارة الجو. وعلى رغم وضوح بعض مظاهر التهكم والسخرية، إلا أن الهدف السياسي في إثبات غياب الأسس نفسها لهذا الاجتماع كانت واضحة، وكان هذا الباحث والخبير الاستراتيجي يُعبر -على رغم نفيه التام لهذا- عن وجهة نظر الحكومة الإسرائيلية، التي لا تنظر لهذا التجمع إلا من عدسة الصراع العربي- الإسرائيلي، ثم تكتشف أن معظم هذه الدول تلتقي حول وجهة نظر محددة تجاه هذا الصراع، وهي وجهة نظر تختلف اختلافاً كبيراً وبيناً عن وجهة نظر الحكومة الإسرائيلية. ما يلفت النظر أن هذا الباحث الإسرائيلي - الأميركي قد أصيب بنفس الداء، فأصبح وضعه بين الخبراء المشتركين مهمشاً، بالضبط مثل وضع حكومته. ولاشك أن هذا الوضع المشترك بين أحد الباحثين وحكومته يثير أسئلة مهمة عن العلاقة بين الباحث والسلطة الحكومية، حتى في البلاد التي تسمى ديمقراطية. لم يعوق مثل هذا التسييس الفج عمل الخبراء الذين قدموا فيما بينهم 42 بحثاً تتعرض لموضوعات حيوية للعلاقة بين الدول والمجتمعات التي تطل على المتوسط. هناك بالطبع موضوعات السياسة الخارجية سواء بالنسبة لفرنسا أو أسبانيا في الشمال، وسوريا، مصر، المغرب، تونس أو الجزائر في الجنوب، وكذلك إسرائيل والسلطة الفلسطينية، ولكن ما أعطى لهذا المؤتمر الدولي ميزة خاصة، هو عدم اقتصاره على علاقات الدول فقط وتركيزه على علاقات المجتمع المدني وعلاقات التبادل بين شمال المتوسط وجنوبه. فبالإضافة إلى موضوع حقوق الإنسان ومشاكل المهاجرين، عرضت إحدى الباحثات الفرنسيات وضع مزدوجي الجنسية وقارنت بين قوانين الدول المختلفة، حتى فيما يتعلق بقوانين دول لا تطل بالضرورة على المتوسط. الخلاصة أن هذه الدول تشكل مجموعة مترابطة أو حتى منظومة، ليس فقط بسبب الجغرافيا وجذور التاريخ، ولكن أيضاً بناء على تفاعل مكثف واحتياجات متبادلة، فهل تستطيع أن تكون أساساً لقطب يقلل من الهيمنة الأميركية العالمية؟