طيلة العشر سنوات التي قضاها "جوردون بروان" وزيراً للمالية في بريطانيا، تخللت خطاباته كلمات، تبدو وكأنها تلخص طبيعة الرجل نفسه، فكان "الحذر" إحدى تلك الكلمات، و"الاستقرار" واحدة أخرى، ثم "الفرص" كلمة ثالثة درجت على لسانه أثناء حديثه إلى الناس. لكن بينما يتهيأ الرجل لبدء مسيرته الجديدة على رأس الحكومة البريطانية وخلافته "توني بلير" في منصبه يوم أمس الأربعاء، شرع "جوردون براون" في الترويج لكلمة أخرى غارقة في التجريد، تعبر عن فكرة أكثر شمولاً وتتماشى مع الدور الذي يسعى إلى الاضطلاع به في المرحلة المقبلة. وليست هذه الكلمة الجديدة سوى الهوية البريطانية. فقد كانت تفجيرات لندن قبل سنتين، والاعتقالات المرتبطة بالإرهاب، التي توالت بعد ذلك وما صاحبها من محاكمات كشفت عن تورط بريطانيين مسلمين سبباً في تغذية شعور لدى الطبقة السياسية البريطانية بالحاجة إلى إدماج أفضل للأقليات العرقية وتوثيق عرى المجتمع البريطاني. وفي هذا السياق، يقول "جون كورتيس"، أستاذ السياسة بجامعة "ستراثسايكل" في اسكتلندا "لقد بات العديد من السياسيين البريطانيين منشغلين بتلاحم المجتمع البريطاني، وطريقة التعامل مع مجتمع متعدد الثقافات"، مضيفاً "فإذا كان يتعين على الأميركيين إظهار ولائهم للعلم الأميركي، فإننا تركنا كل ذلك وراء ظهرنا، لذا نسعى اليوم إلى إدماج المسلمين، ونبحث عن رموز للوطن بنفس الطريقة التي تقوم بها أميركا". ويتوقع المراقبون للشؤون البريطانية أن تشكل الإجراءات والتدابير الرامية إلى إعادة تعريف الهوية البريطانية إحدى أولى المبادرات التي سيشرف "جوردون براون" على إطلاقها أثناء توليه لمنصبه الجديد. فقد ألمح "براون"، الذي تقلد منصب زعيم حزب "العمال" يوم الأحد الماضي، ويعد من السياسيين البريطانيين التقليديين والحريص أكثر من سلفه على الموروث البريطاني، إلى ضرورة إبرام عقد جديد بين الدولة البريطانية ومواطنيها. وقد عبر عن ذلك موضحاً :"ففي مقابل تكافؤ الفرص أمام الجميع ... نتوقع ونطالب بتحمل الجميع لمسؤولياته التي تعني تعلم اللغة الإنجليزية، والإسهام في الثقافة التي تجمعنا واحترامها". فالقيم البريطانية يقول "براون" تشمل "الحرية، والواجب المدني، ثم العدل للجميع". وقد أشار في هذا الصدد إلى رغبته في استحداث عطلة جديدة يطلق عليها اسم "اليوم البريطاني"، مطالباً المهاجرين الذين يسعون للحصول على الجنسية بإظهار ولائهم لبريطانيا من خلال عمل تطوعي يستفيد منه المجتمع. ويؤيد هذا الاتجاه في التركيز على هوية مشتركة تجمع البريطانيين وتضمن تماسكهم "بوب مارشال أندروز"، عضو برلماني عن حزب "العمال" الذي يقول "إننا فعلا نحتاج إلى شعور بالهوية في ظل عالم متغير، وليس في الأمر حرج أن نطلب من الناس الذين يأتون إلى هذا البلد ليتخذوه موطنهم أن يندمجوا في الهوية البريطانية". وتأتي هذه الدعوات في ظل ارتفاع أعداد المهاجرين في بريطانيا خلال السنوات الأخيرة، بحيث فاقت 100 ألف مهاجر. كما ارتفع أيضاً عدد الأشخاص الذين حصلوا على الجنسية البريطانية في السنوات الأخيرة من 50 ألفا خلال التسعينيات إلى 161 ألفا عام 2005. وبرغم أن التعدد الثقافي ازدهر في بريطانيا منذ سبعينيات القرن الماضي، فإن المشكلة التي تشد انتباه بعضهم هي التداعيات المحتملة لذلك التعدد على التماسك المجتمعي وترابطه. وقد كشفت المظاهرات ذات الطابع العرقي التي اجتاحت شمال إنجلترا قبل ستة أعوام عن مدى الانقسام الذي بات يضرب المجتمع البريطاني، على غرار الصراع الذي تخوضه بريطانيا حالياً ضد الإرهاب المحلي، لا سيما ما يمس الشباب البريطاني المسلم. ويوضح هذا الأمر "نيك جونسون"، مدير السياسات والقطاع العام في لجنة المساواة العرقية قائلاً "إن ما نسعى إليه اليوم هو إقرار نموذج أكثر إدماجاً، لا يفرض على الأشخاص التماهي مع المجتمع الأبيض، لكن يتوقع منهم الاعتراف بأننا نشترك في نفس الفضاء، ونتقاسم بعض القيم مثل الاحترام والتسامح مع آراء الآخرين، فضلاً عن حرية التعبير وغيرها، وبهذا المعنى سيساعدنا الاتفاق على تعريف موحد لما يعد بريطانيا أن نرسم خطاً فاصلاً بين ما هو مقبول، وما هو غير مقبول". والحال أن هذه الفكرة حول هوية بريطانية مشتركة لا يتفق معها الجميع، إذ أظهرت استطلاعات الرأي أن عدداً من المسلمين، وإن كان قليلاً، يشعر بانتمائه إلى العراق، أو فلسطين، أو الشيشان أكثر من انتمائه إلى بريطانيا. والأكثر من ذلك استطاع الحزب الوطني الاسكتلندي ذو الميول الانفصالية من كسب أكبر عدد من المقاعد في البرلمان المحلي، كما عارض "بيت ويشارت"، أحد أعضاء البرلمان الاسكتلندي مساعي "جوردون براون" خلق هوية بريطانية مشتركة بقوله "يبدو أن براون لا يفهم بأن العديد منا في هذه الجزر لا يشعرون، أو بالأحرى لا يريدون أن يوصفوا بالبريطانيين". ولا يخلو الأمر أيضاً من بعض الحسابات السياسية التي تدفع "جوردون براون" إلى الترويج إلى فكرته، فرئيس الوزراء الجديد هو نفسه اسكتلندي ويمثل مقاطعة اسكتلندية، لذا فإن تركيزه على الهوية البريطانية يحجب المشاكل التي قد تظهر أثناء مخاطبته للناخبين الإنجليز. وهو الأمر الذي لا مناص منه إذا ما أراد "براون" تحقيق نتائج مرضية في الانتخابات التي يتعين عليه عقدها في المرحلة المقبلة. ويتوقع المراقبون أن يلجأ "براون"، للتأكيد على انطلاقته الجديدة، إلى الإعلان عن مجموعة من الخطط التي تهم مجالات الصحة والتعليم والمساعدات الخارجية بهدف ترسيخ موقعه وطي صفحة سلفه "توني بلير". لكنه من غير المرجح أن يحدث "براون" قطيعة مع السياسات السابقة، لأنه كان الذراع اليمنى لتوني بلير وأسهم شخصياً في بلورة الكثير من تلك السياسات والدفاع عنها. ولعل الاختلاف الرئيسي الذي سيسعى "براون" إلى تكريسه هو في الأسلوب. مارك رايس أوكسلي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مراسل "كريستيان ساينس مونيتور" في بريطانيا ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"