لم يستطع الكولونيل محمد حسين إخفاء إحباطه من المجندين الجُدد. كان اليوم آخر أيام دورة تدريبية، استمرت عشرة أيام وخُصصت لتدريب مجموعة من قوات الشرطة على كيفية التعامل مع حوادث المرور. فالحكومة الأفغانية الفتية تحتاج إلى مجندين جدد من أجل فرض النظام وسط تصاعد أعمال التمرد، والحال أن الرجال غير مستعدين بعد لدخول الأزقة العنيفة لعاصمة "طالبان" السابقة. صرخ الكولونيل حسين في وجه أحد الشبان لأنه ترك سلاحه المقلَّد، خلال تدريب على التفتيش، على سيارة يُفترض أن سائقها مشتبه فيه. بيد أن صعوبات التدريب ليست سوى نصف المشكلة إذ يقول حسين اليوم، إنه لا يوجد ما يضمن قدرة الدولة محدودة الموارد على استبدال أسلحة المجندين المزيفة بأخرى حقيقية. وفي هذا الإطار، يقول "حكمت قرضاي"، رئيس "مركز دراسات النزاعات والسلام" في كابول: "إن التهديد الحقيقي اليوم هو ذاك الذي يواجه الشرطة"، مضيفاً "أنه من الناحية الاستراتيجية، يمكن فهم أسباب مهاجمة قوات الأمن الأفغانية. إذ من شأن ذلك أن يؤثر على المجندين الممكنين معنوياً، ويثنيهم عن الالتحاق بقوات الشرطة". القوة المتزايدة لـ"الجيش الوطني الأفغاني"، الذي ألحق خسائر ثقيلة بـ"طالبان" هذا العام، بفضل الدعم القوي لـ"الناتو" والتدريب والتجهيزات المحسنة، دفعت "طالبان" العائدة إلى الواجهة إلى استهداف أفراد الشرطة المجهزين تجهيزاً بسيطاً، والذين يتقاضى كل واحد منهم أكثر من نصف ما يتلقاه جنود الجيش بقليل. كما يوضح المتحدث باسم وزارة الداخلية "زيماراي بشاري" أن قلة الدعم المالي، تركت الشرطة من دون موارد تقريباً في حربها مع المليشيات المدججة بأسلحة ثقيلة من قبيل قذائف الهاون والقنابل اليدوية. فحسب وزارة الداخلية، فإن تكتيكات حرب العصابات التي تنتهجها "طالبان" تسببت في مقتل أزيد من 300 شرطي خلال الأشهر الثلاثة الماضية، ما يجعل السنة الحالية الأسوأ على الإطلاق من حيث الإصابات التي تكبدتها قوات الأمن. وفي هذا السياق، يقول بشاري: "ما تتوفر عليه الشرطة لتواجههم هو بندقيات "إي كي 47"، وفي أحسن الأحوال رشاش "بي كي إيم""، مشيراً إلى رشاش سوفييتي الصنع من عيار أعلى. ونتيجة لذلك، يصعب تأمين المراكز الحساسة في المناطق النائية التي لا تشملها تغطيةُ القوات متعددة الجنسيات. بموازاة مع ذلك، ينخرط العديد من أفراد الشرطة في الابتزاز وأنشطة إجرامية أخرى، وهو ما يضعف ثقة الجمهور في الشرطة. وحسب المسؤولين الأفغان، فإن عدد أفراد الشرطة في بعض الأحياء التي يفوق عدد السكان بها 100000 نسمة، لا يتعدى 25 أو 30 شرطياً، يعانون الإجهاد بسبب مهام فرض القانون والنظام الموكولة إليهم؛ حيث يحاربون المتمردين عند الضرورة ويساهمون في جهود محاربة المخدرات، وهو ما يجعلهم أهدافا سهلة. ففي ما شكّل ضربة حقيقية ورمزية لسلطة الدولة، أسفرت عملية تفجير حافلة في السابع عشر من يونيو بالعاصمة – وهي العملية الأكثر دموية من نوعها منذ سقوط "طالبان" في 2001- عن مقتل 35 شخصا على الأقل على مشارف مقر الشرطة –معظمهم من مجندي الشرطة. وفي ظرف أسبوع واحد في وقت سابق من هذا الشهر، تسبب كمين نصبه مقاتلو "طالبان" في إقليم "زابول" الواقع جنوب البلاد في مقتل 16 من قوات الشرطة؛ وقُتل قائد شرطة في إقليم "باكتيكا" الواقع شرق البلاد بسبب انفجار قنبلة على جانب الطريق استهدفت سيارته؛ وهاجم نشطاء منزل شرطي آخر في إقليم "غزني" جنوب البلاد، فقتلوا خمسة أفراد من عائلته. كما أعلن العديد من أفراد الشرطة أنهم يجدون صعوبة في العودة إلى القرى والبلدات التي ينتمون إليها لأن عملهم في الشرطة يدفع الناس إلى النظر إليهم باعتبارهم متعاطفين مع الحكومة. يقول حسين:"إن أفراد الشرطة الموجودين في المناطق النائية يعانون صعوبات جمة. وزملاؤهم هنا لا يستطيعون إطعام عائلاتهم أو مساعدة أنفسهم". والواقع أن هذه الظروف الصعبة تثير ردود فعل لا مناص منها في أوساط قوات الشرطة متمثلة في الفساد المرتبط بالمخدرات والميل إلى الشطط في السلطة. وفي هذا الإطار، يقول البنك الدولي إن مناصب قواد الشرطة زهيدة الأجر تُباع وتشترى في مناقصات، تسمح لمن يفوز بالمنصب بفرض ضرائب على مزارعي الأفيون وتجار المخدرات. وفي هذه الأوضاع، فإنه كثيرا ما تتعرض حقول المزارعين الذين لا يستطيعون دفع الرشاوى للإتلاف والتدمير. في محاولة لسد هذا النقص، عمدت بعض الأقاليم إلى إقامة أنظمة أمنية قبلية تقليدية. وفي هذا الإطار، يقول قائد الشرطة في إقليم "غزني"، على سبيل المثال، إنه يستطيع استدعاء 500 رجل على الأقل لمحاربة المتمردين إذا اقتضى الأمر ذلك؛ وهو تصريح يشبه تصريحات مماثلة أدلى بها زعماء قبليون في أقاليم مضطربة أخرى. إلى ذلك، تعمل الحكومة على تشكيل قوة احتياط قوامها 5000 رجل تُعرف باسم "شرطة النظام المدني الوطني". ومن المرتقب أن يتم نشرها في الأقاليم الوسطى حيث يمكن أن توفر– يقول بشاري- "دعماً سريعاً حيثما تتعرض الشرطة العادية لهجوم"، مضيفاً أن المجندين الثلاثمائة الأولين قد وصلوا إلى كابول من أجل المرحلة الأخيرة من التدريب، وأن عملهم يتمثل في "التدخل وضرب العدو ثم الانسحاب". إضافة إلى ذلك، استلم الاتحاد الأوروبي مؤخراً مهام تدريب الشرطة من ألمانيا، حيث أرسل 60 مدرباً إلى المناطق الساخنة من أجل تحسين قدرات الشرطة الأفغانية، يُنتظر أن يلتحق بهم 100 مدرب آخرون. وحسب المتحدث باسم الداخلية الأفغانية، فمن المتوقع أن يصل المزيد منهم في وقت تسعى فيه الحكومة الأفغانية إلى تعزيز عدد أفراد الشرطة بـ20000 رجل على مدى العامين القادمين، علما بأن عددهم حاليا يناهز 62000 رجل. وفي انتظار ذلك، ما هي يا ترى حوافز ارتداء بذلة رجال الشرطة في أفغانستان؟ يقول أحمد حيدري، الذي سيتخرج قريباً من كلية الشرطة في كابول:"إننا نحب بلادنا، ونعمل من دون راتب تقريبا. لقد عرفت بلادنا الحرب لسنوات كثيرة، ولن نتراجع اليوم أمام طالبان" قبل أن يضيف قائلاً:"ولكن إذا تزوجتُ، فقد اضطر للبحث عن عمل آخر لأن النساء والأطفال مكلفون". جيسون موتلاج مراسل "كريستيان ساينس مونيتور" في قندهار- أفغانستان ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"