يحلو لي عندما أكون وسط جمع من الباحثين والأصدقاء والمتخصصين في علم الاجتماع عموماً، سحب النقاش في أحيان كثيرة باتجاه تساؤل تقليدي وعفوي يطرحه الكثيرون دائماً، بمختلف شرائحهم الاجتماعية، ويدور هذا التساؤل حول، حصاد هؤلاء، الخبراء، من تجمعهم في مؤتمر أو ندوة أو أي نشاط فكري أو بحثي ما. كما يحلو لي أيضاً، وهذه عادة قد ينظر إليها بعضهم أنها سيئة، الحرص في غضون الكثير من تلك النقاشات على أن أكون مستمعاً، في أحيان كثيرة، إلى أقصى درجة، إما لأنتزع في نهاية الحديث لنفسي إجابات وردودا حول تساؤلات عديدة تدور في ذهني، ودائما أبحث لها عن إجابات من أصحاب الشأن أنفسهم "ومن أفواههم ندينهم"، كي يكون حكمي منطقياً، وكي أؤكد تفسيرات أو استنتاجات طالما قفزت إلى ذهني أو سمعتها من الزملاء، تشكك جميعها في أن هناك استفادة حقيقية لهؤلاء من تنقلهم من مؤتمر إلى آخر ومن قاعة نقاش إلى أخرى. قبل أيام قليلة، كنت في مؤتمر علمي في إحدى الدول العربية، ووقفت مشدوداً أمام عدد من ضيوف المؤتمر، عندما دار حديث في ما بينهم حول حجوزات الطائرات المنطلقة إلى مختلف دول العالم كمرحلة لاحقة بعد المؤتمر الحالي، كي يستطيعوا اللحاق بمؤتمر جديد في دولة أخرى، وبعض تلك الدول المقصودة كوجهة تالية عربية والآخر منها غير عربية، وأكدوا لي بعد دخولي في النقاش أنهم قادمون من مؤتمرات مماثلة في دول أخرى. ربما هذا الحوار، أجاب على تساؤل خفي يتكرر في العديد من المؤتمرات والندوات، وهو ما الجديد الذي قدمه هذا الباحث أو ذاك؟ فورقة العمل المطروحة من بعض الباحثين تتكرر في عشرات المؤتمرات، والنقاشات تتكرر، وهكذا يدور الجميع في حلقات مفرغة لها أول وليس لها آخر ولا فائدة أيضاً، وقد أثيرت هذه النقطة في دهاليز المؤتمر، وتحدث بعضهم عن وجود باحثين يقومون بذلك بل ويأخذون فصولاً من أبحاث الآخرين. رغم العديد من المؤتمرات، التي تعقد في دولنا العربية وتجمع عدد كبير من الباحثين "نجوم الشاشة"، الذين باتوا يحتكرون الحديث في قضايا معينة ويظهرون على طاولات النقاش حول ظواهر بعينها؛ بحيث أصبح مجال البحث العلمي مثل السينما، هناك نجوم درجة أولى، ونجوم شباك ونجوم ثانويون أو أدوار مساعدة، مثل هذا الكلام ذكر في المؤتمر عندما يأتي ذكر أسماء باحثين معينين، عندما يحاول بعضهم التقرب من الآخر، يذكر له اسم باحث من الدولة القادم منها كي يقرب المسافة بينه وبين الشخص الجديد. كثيراً ما تعمد المؤتمرات إلى استقطاب أسماء بعينها، كي تجذب كاميرات الفضائيات إما لأن هذه الشخصية جدلية قادرة على إثارة لعاب الفضائيات التي تهوى الإثارة الإعلامية، أو لأن هذه الشخصية مرموقة، أقصد هنا مرموقة اجتماعياً، حتى وإن كانت لا تمتلك من الفكر والخبرات ما يؤهلها لحضور منتدى علمي في موضوع معين. أحيانا يكتفي الباحث بإعداد بحث ذي قيمة، وهذا في أحسن الأحوال، ولكنه يظل سنوات طوال لا يقدم جديداً ويكتفي بالترويج لبحثه لسنين ويلقيه في مؤتمرات عدة، محلية ودولية، ومع ذلك لا يجد عيباً في ذلك. هل العيب هنا في الباحث أم في الجهات المعنية التي لا توفر للباحثين حياة كريمة تغنيهم مشقة الترحال من مؤتمر إلى آخر في أوقات متقاربة، أم أن العيب في النظرة إلى البحث العلمي كقيمة يفترض النظر إليها باحترام في مجتمعاتنا؟! لقد أصبحت المؤتمرات والندوات إحدى أدوات الدخل المالي للباحثين، ويزيد هذا الدخل كلما زاد حضور الباحث للمؤتمرات،من دون الحاجة لتقديم بحث جديد، وحتى من دون أن يقدم ورقة عمل، لأن هذا يعني مؤتمرين في السنة فقط على الأكثر، ولكن أن يحضر باحث أكثر من مؤتمر في أقل من عشرة أيام، ويقدم فيها بحثاً قيماً... أشك في ذلك.