لم يكن تصريح السيد أحمد أبو الغيط وزير الخارجية المصري بتحميل إيران مسؤولية ما حدث في غزة مفاجئاً تماماً. فهو ليس أول التصريحات الرسمية المصرية، التي تعبر عن النفور من الدور الإيراني في المنطقة أو من السياسات الإيرانية عموماً. والواقع أن النفور والركود في الموقف المصري من السياسات الإيرانية لا يزال سراً غامضاً, لم ينجح أحد في فك شفرته. ومن الطريف أن مصر عادت لتحتمل، بل وتدافع عن مصالح النظام السوداني، وهو الذي بدا لها أكثر تطرفاً بكثير من النظام الإيراني وأقل عقلانية وأكثر تعارضاً مع فكر ورؤى النخبة السياسية المصرية, ولكنها لم تراجع موقفها المتشدد من إيران. لماذا إذا أقحمت مصر إيران في قضية الأحداث المؤسفة والحزينة في غزة؟ هناك نظرية شائعة، تركز على الاعتبارات الأيديولوجية. فالنخبة السياسية المصرية، تكن نفوراً أو عداءً شديداً للحركات السياسية التي تقوم على الدين بما فيها حركة "الإخوان المسلمين". وقد يمكن تفسير اقحام إيران في قضية غزة بأن مصر تخشى أن يقام على حدودها مباشرة دويلة "اسلامية سياسية", وخاصة لو منحت هذه الدويلة إيران موطئ قدم ونفوذ على الحدود الشرقية لمصر. غير أن هذا التفسير لا يتفق في الحقيقة مع بعض المعطيات الأساسية للعلاقة المصرية مع "حماس". فرغم الخلاف الأيديولوجي، فإن مصر فصلت بين سياساتها الداخلية الراهنة وخاصة تجاه حركة "الإخوان المسلمين" وسياساتها الخارجية بما في ذلك سياساتها تجاه "حماس". إذ بدا الموقف المصري من "حماس" خاضعاً تماماً تقريباً للاعتبارات العملية ولموقف مصر من قضية تسوية الصراع العربي- الإسرائيلي. فدعت "حماس" حتى قبل فوزها في الانتخابات التشريعية للحوار مع بقية الفصائل، وهو ما أنتج وثيقة الهدنة المشروطة الشهيرة. وفي أعقاب فوز "حماس" في الانتخابات التشريعية، لم تنفجر العلاقات المصرية –"الحمساوية"، بل إن مصر طورت صلاتها مع "حماس"، وتلامست معها يوماً بيوم. وبدت المواقف التفصيلية التي اتخذها الوفد الأمني المصري من الخلافات بين "حماس" و"فتح" في حالات كثيرة أقرب لـ"حماس" منها إلى قيادات الأجهزة الأمنية لـ"فتح". وأكدت "حماس" من جانبها على أنها تقيم علاقاتها وتوجهاتها نحو النظام السياسي المصري انطلاقاً من اعتبارات عملية، ومن تقدير لثقل مصر السياسي الدولي والإقليمي. وفي حديث هاتفي حكى لي الأستاذ خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لـ"حماس" إنه أبلغ القيادات المصرية أن "حماس" لا يجب أن تحسب على أحد (مشيراً لعلاقة القربى مع حركة الإخوان المسلمين), وإنها ستدخل البلاد العربية كافة من بواباتها الرسمية، وليس من بوابة العلاقة مع أي طرف بما فيها حركة "الإخوان" والتيار الإسلامي بشكل عام، وإنها على حد تعبيره "لن تصعد السلم بالعرض"، أي لن تمر على الحركات السياسية المصرية أو داخل أية دولة عربية أخرى، لكي تنشأ علاقات مع السلطات الوطنية بل ستنشأ هذه العلاقة مباشرة. ثم أنه – في هذا الحديث التليفوني- أقسم بأنه لا إيران ولا حتى سوريا التي يقيم فيها كانت تعرف شيئاً عما حدث في غزة قبل وقوعه. والواقع أنه لو حاكمنا تصريحات السيد وزير الخارجية المصري من حيث قيمتها بذاتها، لوجدناها مربكة من الناحية الفنية. فإن قامت إيران بنفي هذه التصريحات كما فعلت بالفعل، فسوف يتعين على السيد وزير الخارجية المصري أن "يثبت" تورطها بدليل مادي مقنع, وهو أمر صعب للغاية. وإن لم يفعل، فإنه يضعف من مصداقية تصريحاته. وإن قامت إيران بمبادلة هذا التصعيد في التصريحات الرسمية بالقول إنها متورطة فعلاً، لكان معنى ذلك أشد خطورة. فتمكن إيران التي لم يكن لها أدنى نفوذ في الأرض المحتلة من بناء هذا النفوذ على حساب مصر صاحبة الدور المباشر وغير المباشر في غزة، يعني أن تدهوراً خطيراً وقع في أداء مصر الخارجي, وهو ما يجب على السيد وزير الخارجية المصري تفسيره، ويجب على الرأي العام مساءلته عليه. جانب من تفسير إقحام إيران في موضوع غزة، هو شعور النخبة السياسية في مصر وعن حق بالإهانة، التي وجهتها "حماس" لها وللمملكة العربية السعودية أيضاً. فقد قامت "حماس" بانقلابها العسكري والسياسي في غزة بعد أسابيع من إبرام اتفاق مكة المكرمة بوساطة السعودية، وفي سياق عملية الحوار الجديدة التي كانت مصر قد دعت لها وكانت تجري بالفعل, وكأن الحوار استخدم كغطاء لهذا الانقلاب. وفي هذا السياق يمكن تفسير إقحام إيران في أحداث غزة، بأن هذا الإقحام يساعد على سهولة كسب المعركة الإعلامية التي شنتها مصر ضد "حماس" بعد وبسبب انقلابها العسكري في غزة. وكانت مصر قد اتخذت موقفاً بالغ الحدة من هذا الانقلاب ومضاعفاته. غير أنه يصعب قبول هذا التفسير وحده، فإقحام إيران ليس من دون تكلفة إعلامية وسياسية كما أشرنا. ويمكننا أن نقدم تفسيراً آخر تماماً لإقحام إيران، وهو تفسير يرتبط أو يقوم على دعوة الرئيس مبارك لمؤتمر شرم الشيخ. لم يكن الشعور بالإهانة على أهميته بذاته ولا خوف النخبة السياسية المصرية من نشأة "إمارة إسلامية" في غزة هو ما دفع مصر للتصعيد ضد "حماس". لقد كان شيئاً مختلفاً تماماً. كانت النخبة السياسية المصرية قلقة بالأصل من مواقف "حماس" من القضية الجوهرية لمصر، وهي دفع التسوية السياسية السلمية. كانت النخبة المصرية قد أدركت منذ فترة طويلة أن الانتفاضة قد "هزمت"، ولم ولن تسفر عن شيء إيجابي في الأمد المنظور. بل إن موازين القوى الفعلية، تحركت ضد الشعب الفلسطيني وضد العرب عموماً ولصالح إسرائيل. واستنتجت النخبة المصرية أنه آن الآوان للعودة إلى طاولة المفاوضات للحصول على حل سياسي مؤقت أو دائم! وفي هذا السياق، بدا موقف "حماس" السياسي الجوهري من التسوية هو العائق الأساسي. كانت مصر ترى أنه يعطل التسوية السياسية ويضاعف من محنة الشعب الفلسطيني ويضرب بالتالي في شرعيتها هي وفي قيادتها في المحيط العربي ومصالحها الدولية. وحاولت القيادات المصرية مخلصة أن "تدعو حماس" لإدراك الواقع والتوصل إلى الاستخلاصات العملية السليمة. ولكن الموقف الأيديولوجي والمشروع السياسي لـ"حماس"، جعلها تتحرك ببطء شديد وبقوة أقل كثيراً، مما تراه مصر ضرورياً لتحريك التسوية السلمية حتى بعد اتفاق مكة. و"صبرت" مصر طويلاً على الأوضاع الداخلية الصعبة في الأرض المحتلة، لأنها لم تملك حلاً آخر. أما وقد وقع انقلاب "حماس" في غزة، فقد برزت فرصة مثالية من الناحية العملية لتحريك التسوية السلمية بتحرك يبدو كبيراً مثل دعوة الرئيس مبارك لمؤتمر شرم الشيخ. لم تكن مصر تطمح لإحداث اختراق كبير في مفاوضات التسوية من خلال المؤتمر. ولكنها سارعت لانتهاز فرصة الاستفزاز الذي سببه انقلاب غزة لإحداث "اختراق" في السياسة الفلسطينية يحرر قرارها أو قرار محمود عباس المتعلق بالتسوية من "فيتو" حماس. كما أن مصر رأت فرصة في الموقف الأميركي والإسرائيلي "المؤيد" للانقلاب السياسى الخاص الذي قام به الرئيس محمود عباس. ورأت أن تحريك هذا الموقف بقوة أكبر في اتجاه مزيد من المرونة ومزيد من التنازلات لصالح محمود عباس فيما يتعلق بالقضايا السياسية للتسوية يقتضي تخويفهما من إيران. ولهذا أقحم السيد وزير الخارجية المصري إيران في موضوع لا ناقة لها فيه ولا جمل في الواقع الفعلي.