الانتشار النووي في حالة تزايد. ففي الماضي كان من غير المسموح به و إلى حد كبير الوصول إلى المعدات، والمواد، والتدريب النووي. أما الآن فإن هناك شبكة عالمية معقدة، قادرة على تسليم منظومات، يمكن استعمالها في إنتاج مواد قابلة للاستخدام في صنع الأسلحة النووية. والطلب على تلك المنظومات موجود كما هو واضح، حيث لا تزال هناك بلاد مهتمة بالحصول على أسلحة دمار شامل بطريقة غير قانونية. وإذا ما جلسنا ساكنين دون أن نفعل شيئا، فإن هذا الاتجاه سوف يستمر. فالبلاد التي ترى نفسها معرضة للخطر، يمكننا أن نتوقع أنها سوف تحاول أن تجد علاجا لذلك. بل وسوف تسعى في بعض الحالات إلى تشغيل برامج سرية للأسلحة المحظورة.
لذلك فإن شبكات توريد المنظومات القابلة للاستخدام في صنع تلك الأسلحة سوف تنمو، مما سيؤدي بدوره إلى تسهيل الحصول على الخبرة والمواد اللازمة لإنتاج الأسلحة النووية. ومن المحتم في مثل هذه الحالة أن ينجح الإرهابيون في الوصول إلى تلك المواد وتلك التكنولوجيا، إن لم يكن للأسلحة النووية ذاتها. وإذا لم يغير العالم من هذا المسار، فإننا نجازف بتدمير أنفسنا.
إن مقتضيات المنطق، والتجارب الحديثة التي مررنا بها تبين لنا بشكل واضح أن معاهدة حظر الانتشار النووي التي خدمتنا منذ عام 1970 وحتى الآن بشكل جيد، يجب أن تتم إعادة صياغتها، كي تكون متلائمة مع حقائق الواقع في القرن الحادي والعشرين. ويمكننا في هذا الصدد أن نقوم بتعزيز وتقوية نظام عدم الانتشار الموجود لدينا الآن، دون أن يؤدي هذا إلى تهديد السيادة الوطنية للدول.
الخطوة الأولى على هذا الطريق، هي تشديد القيود المفروضة على تصدير المواد النووية، وهي أولوية ذكرها الرئيس بوش في خطابه الأخير عند حديثه عن الانتشار النووي.
ومن المعروف أن النظام الحالي يعتمد على "اتفاق جنتلمان" ليس فقط غير ملزم، ولكنه أيضا محدود من حيث عضويته: فهو لا يشمل كثيرا من الدول ذات القدرات الصناعية المتنامية. بل إن ما يحدث هو أن بعض الأعضاء الحاليين في هذا الاتفاق، يعجزون عن التحكم في صادرات الشركات غير التابعة للقطاعات التي تشرف عليها حكوماتهم.
يجب كذلك أن نقوم بتعميم نظام مراقبة الصادرات على مستوى العالم، ونعمل على علاج الثغرات الموجودة فيه، وعلى تفعيل الضوابط الملزمة النابعة من معاهدات، مع المحافظة في الوقت نفسه على حقوق الدول في استخدام التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية. يجب علينا أيضا، أن نعمل على تجريم أفعال هؤلاء الذين يسعون إلى مساعدة الآخرين على تكاثر الأسلحة النووية.
بالتوازي مع ذلك، يجب تزويد المفتشين بالصلاحيات المطلوبة. في الآونة الأخيرة تم بذل مجهود كبير، ومطلوب في الحقيقة، في إقناع إيران وليبيا بمنح الوكالة الدولية للطاقة الذرية حقوق تفتيش أوسع نطاقا. بيد أن الواجب يتطلب إلى جانب ذلك أن تقوم الوكالة بإجراء تفتيشات في جميع البلاد.
والتحقق من مدى الالتزام ببنود معاهدة حظر الانتشار النووي، يتطلب إجراءات أكثر صرامة، وخصوصا إذا ما عرفنا أن عددا من الدول يبلغ 20 في المئة فقط من بين أعضاء الأمم المتحدة البالغ عددهم 191 دولة، وافقوا على البروتوكول الإضافي الذي ينص على منح مفتشي الوكالة المزيد من حقوق التفتيش. وهذا البروتوكول، كما قال الرئيس بوش في خطابه الأخير، يجب أن يتم وضعه موضع التنفيذ من قبل جميع الدول بدون استثناء.
بالإضافة إلى ذلك، يجب عدم السماح لأية دولة بالانسحاب من تلك المعاهدة. فمن المعلوم أن المعاهدة الحالية تسمح للأعضاء أن يقوموا بالانسحاب منه، بشرط تقديم إنذار قبل المدة المحددة للانسحاب بثلاثة شهور. وأية دولة قد تقوم باستغلال تلك الفقرة التي تسمح لها بالانسحاب من المعاهدة، يمكن أن تشكل تهديدا للسلام والأمن الدوليين. وهذه الفقرة يجب أن يتم تقييدها، بحيث تنص على الأقل على أن تسبق الانسحاب من المعاهدة، مراجعة تلقائية من قبل مجلس الأمن الدولي.
ويجب على المجتمع الدولي أن يقوم بتحسين أدائه فيما يتعلق بالتحكم في أخطار الانتشار النووي. فالأجزاء الحساسة من دورة الوقود النووي، وإنتاج وقود جديد، ومعالجة المواد التي يمكن استخدامها في الأسلحة، والتخلص من الوقود المستنفد، والفضلات المشعة سوف تكون كلها أقل تعرضا لخطر استخدامها في الانتشار النووي، إذا ما تم إخضاعها لرقابة جماعية. ويمكن في هذا الصدد استخدام قيود وموازنات ملائمة للمحافظة على التنافسية التجارية، ولضمان استمرار توريد المواد النووية اللازمة للمستخدمين القانونيين المحتملين.
تحقيقا لهذه الغاية، يجب إعادة إحياء المفاوضات المتعلقة بمعاهدة تقليص المواد الانشطارية. فهذه المعاهدة التي ستضع حدا لإنتاج المواد القابلة للانشطار التي تستخدم في إنتاج الأسلحة النووية، قد تعطلت لمدة ثماني سنوات منذ عقد مؤتمر نزع الأسلحة النووية في جنيف. أما بالنسبة للمواد التي توجد من مثل هذه النوعية في دول مثل دول الاتحاد السوفييتي السابق، فإن الأمر يستلزم تعزيز الإجراء