لا يستطيع المرؤ أن يُقر بأن نمطاً من البشر إذ يولد، تولد معه طبيعة خيرة. ولم يعد المرؤ يشغل نفسه بهذا الأمر، بعد أن قدمت العلوم الطبيعية والأخرى الإنسانية أدلة كافية على بطلان ذلك التمييز. ومع ذلك بل على الضد منه، يعلم الباحث المؤرخ أن ظاهرة القتل عريقة في تاريخ البشر وضمن حقول متعددة، كالثأر والردع والترهيب والانتقام. وإذا كانت هذه الظاهرة قد رافقت الأفراد والجماعات خصوصاً في المجتمعات الرعوية، إلا أنها مع تكون المجتمعات الزراعية وما بعدها ستأخذ - في اتجاهاتها الكبرى العامة - طابعاً أكثر نزوعاً إلى الفردية. راح ذلك يطرح نفسه على النحو المذكور في سياق نشأة التجمعات البشرية بصيغة فئات ووحدات وطبقات وشعوب وأمم وغيره من طرف، وبكيفية قادت إلى انفلات نسبي للفرد من الجماعة، إلى تحقيق حدٍ معين من الحرية الفردية من طرف آخر. ومع ذلك، ظل الفرد يتحرك - بقدر أولي - في الأفق العمومي للمجموعة، التي ينتمي إليها. وتحت تأثيرات جديدة متنامية لظاهرات جديدة - منها السياسة خصوصاً - أخذت ظاهرة القتل الفردي ترتد إلى الوراء، مُتيحة للسياسة وللمؤسسات القضائية أن تقوم بضبط الواقع والوقائع المتحدرة منه، على نحو قانوني وسلمي. ويلاحظ أنه مع ذلك التحول، كانت حالة أخرى من التعامل بين التجمعات المجتمعية والأفراد تطرح نفسها بدرجات متفاوتة، نعني حالة "الحوار والتداول والسجال السلمي". وبالطبع، كان الجهاز السياسي الجامع بين تلك التجمعات والأفراد - وهو الدولة - قد راح يأخذ دوره القامع والجامع بين الجميع. وإذا كانت هذه الدولة قد راحت تروج لوظيفتها القامعة لـ "الخارجين على القانون" والجامعة لأولئك، إلا أن وظائفها وتوجهاتها العمومية لم تكن وربما لن تكون على مسافة واحدة من الجميع. وعلينا أن نسجل الملاحظة المنهجية التالية، وهي أن أشكال وألوان الخلل، التي تخترق المجتمع من مواقع الفقر والظلم والتهميش والإقصاء وغيرها، يُرد عليها عبر مؤسسات ضابطة وعادلة، بقدْر أو بآخر، في حال هيمنة آليات ديمقراطية ذات مصداقية ما، دون الوقوع في وهم الاعتقاد بغياب الرشوة والفساد القضائي... الخ. وتبقى الدولة - على علّتها - المرجعية، التي تضبط شؤون المجتمع، دون حدوث هزات وتجاوزات كبرى. وثمة مسألة تقوم على أن ضبط شؤون المجتمع كلما احتكم إلى مرجعيات غير معلن عنها مثل الطائفية والإثنية والطبقية الفاضحة والعشائرية والقرابة، إلخ، كانت النتائج عميقة على صعيد انفلات القانون العام وظهور النزاعات المدمرة للمجتمع، بما فيها ظاهرة القتل الفردي. وإذا أخذنا لبنان نموذجاً على ما نحن بصدده، ربما نضع يدنا على أن ظاهرة القتل الفردي بصيغة الاغتيال إنْ هي إلا فعل فردي يمثل استطالة لأهداف عمومية تنحدر من حزب أو طائفة أو فريق سياسي الخ. وحين يحدث ذلك، فإنه يكون بمثابة حالة تفكك للدولة، أو تعبيراً عن غيابها أو اختراقها، وهذا بدوره يمثل حالة قد تُفضي إلى تدمير المجتمع، ومن ثم إلى إنتاج صراعات وفتن تأتي على كل شيء. والملاحظ أن ذلك لا يُنهي فريقاً ليرفع فريقاً، وإنما هو مدخل إلى سقوط الجميع. وهنا يقدم ابن خلدون وعلماء اجتماع وساسة معاصرون الكثير من المعطيات العلمية فيما يخص الموضوع. ولا شك أن ظهور حالة مفتوحة ومطردة من القتل الفردي بأهداف سياسية أو طائفية وغيرها في المجتمع اللبناني، يمكن أن ينتج اضطراباً شاملاً فيه يطال جميع أفراده ومجموعاته أو جلهّم، فتتوقف الأعمال، ويتعاظم الخوف، ويفكر الكثيرون في الهجرة بحثاً عن الأمن والعيش، ونحن نلاحظ أن العراق يكاد أن يكون في طريق استنفاد طاقاته البشرية، ذات الخبرات والاختصاصات العلمية والاجتماعية خصوصاً. ووضع كهذا يمثل أو قد يمثل مدخلاً إلى الموت الجماعي. ولا يصح العودة بأسباب ذلك إلى العوامل الخارجية (وهي هنا عوامل الاحتلال الأميركي) فحسب، إن أسباب ذلك تكمن، أيضاً، في الداخل العراقي: في النجاح بتمزيق النسيج الوطني ومنظومة القيم الأخلاقية، التي تكونت هناك على امتداد قرون، وكذلك في كسر الإرادة السياسية لجمهور الشعب العراقي، بل ربما في كسر إرادة الحياة الجماعية. إن مواجهة الأغيار وامتداداتهم في العراق ولبنان، تجد أفضل أسسها في التأسيس لنمط من الثقافة، التي إذا ما فرضت نفسها هناك، فإنها ستكون رافضة العودة إلى وحدة المجتمع في البلدين، نعني ثقافة الحوار والإقرار بالآخر والاستجابة لمرجعيتين عظميين، هما الوطن والعقل، بل بصيغة أخرى، لعل الوضع العربي عموماً، وفي العراق ولبنان وفلسطين بنحو خاص، أصبح يشترط وجود مجموعات من الحكماء والعقلاء والحصيفين، كي تتمكن الشعوب العربية الخروج مما قد ندعوه: صراع الموت، أو صراع كسر العظم.