سيذرف الشعب البريطاني بعض الدموع عندما يتنحى توني بلير عن رئاسة الوزراء يوم الأربعاء المقبل. غير أن الأميركيين سيفتقدونه كثيراً، على النحو الذي يفتقد الجمهور نجم مسلسل تلفزيوني محبوبا قررت المحطات التلفزيونية إيقافه. لماذا هذا الإعجاب؟ ما علينا سوى أن نقرأ الكلمة التي ألقاها بلير أمام البرلمان في 18 مارس 2003 عشية غزو العراق. قبل ذلك بنحو شهر، كان مليون بريطاني قد خرجوا إلى الشارع في مسيرة احتجاجية ضد الحرب؛ وكان زعماء حزب "العمال"، الذي ينتمي إليه بلير، يرون أن هذا الأخير مقدم على خطأ فادح، بل إنهم جهروا بذلك في بعض الحالات. ولكن بلير وقف في مجلس "العموم" وحذر من أن غموضنا ومواربتنا إنما يقويان أعداءنا قائلاً: "لذلك علينا أن نكف عن التساهل. لأنه خطير. إنه خطير إذا لم تعد هذه الأنظمة تصدقنا؛ وخطير إذا اعتقدت أنها تستطيع استغلال ضعفنا وترددنا، بل وحتى الميل الطبيعي لديمقراطيتنا نحو السلام، ضدنا. إنه خطير لأنه يوماً ما سيفسر رفضنا الطبيعي للحرب على أنه عجز دائم، والحال أننا سنتحرك إذا ما بلغ الاستفزاز حده الأقصى". حجة بلير كانت تستند إلى تأكده من أن صدام حسين كان يتوفر على أسلحة دمار شامل؛ والحال أن خطابه كان خاطئاً. ونتيجة لذلك، يعتقد الشعب البريطاني، الذي نفد صبره تجاه بلير قبل ذلك بسنوات، أنه دُفع إلى الحرب عام 2003 استنادا إلى أكاذيب. أما الاستنتاج الأرحم، فيرى أن بلير إنما تحرك على هذا النحو حرصاً منه على تلافي إضعاف أدلة مزعجة. الأمر نفسه قد ينطبق على جورج بوش، وإن كنت أعتقد أن الكثير من الأميركيين لن يمنحوا بوش حكماً لصالحه، خلافاً لبلير. ربما يعزى ذلك إلى ما يُكنّونه لبوش: فزعيمنا غير محنك؛ في حين أن زعيمهم، رجل محنك وفصيح. ويا لها من فصاحة! مما لا شك فيه أن الأميركيين ينبهرون بسهولة أمام الخطابات الفصيحة والحقيقية نظراً لأن حياتنا السياسية في الولايات المتحدة حافلة بالكلام المنتفخ وغير الصادق. إذ يبدو أن بوش ينتقل بين شكلين خطابيين مختلفين اختلافاً جذرياً: الخطاب التوراتي أو "اللينكولني" (نسبة إلى أبراهام لينكولن) (وهو الواضح جداً، وإن كان يُكتب له عادة)، وخطاب "الشريف" قليل الكلام في إحدى بلدات ولاية تكساس. بالمقابل، كان بلير موفقاً دائماً في اختيار وإيجاد الكلمات التي تناسب حتى أصعب الأوقات وأشدها، مثلما وحَّد الشعب البريطاني بعد وفاة الأميرة ديانا –"أميرة الشعب" مثلما أطلق عليها؛ أو في خطاب الشهر الماضي حين أعلن استقالته إذ قال: "كونوا على يقين أنني فعلت ما كنت أعتقد أنه الصواب". والحال أنه بعد آلاف السنين من الخطب الرائعة والفصيحة، ربما تكونت لدى البريطانيين مناعة ضد هذه الصيغ البليغة، خلافا للأميركيين. في أبريل 1999، ألقى بلير خطاباً في شيكاجو وصاغ عبارة "عقيدة جديدة للمجتمع الدولي". كانت قوات "الناتو" قبل ذلك بأشهر قد قصفت كوسوفو من دون أن تنجح في كسر إرادة الديكتاتور الصربي سلوبودان ميلوسويفيتش. في شيكاجو، قال بلير: "لا يمكننا أن نسمح بقيام شر التطهير العرقي". وقد شكلت كوسوفو الأساس التدخلي لتلك العقيدة الجديدة؛ حيث دعا بلير إلى إصلاح دائم للنظام المالي العالمي، وجهود جديدة على صعيد التجارة الحرة، وإصلاح جهاز صنع القرار في مجلس الأمن الدولي و"الناتو"، والتقدم على صعيد ارتفاع حرارة الأرض، وخفض ديون دول العالم الثالث. وبالنسبة لكوسوفو، شدد بلير على ضرورة التخلي عن مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول في حالتي الإبادة الجماعية أو التطهير العرقي. وسرعان ما أثبت بلير أنه يأخذ عقيدته الجديدة على محمل الجد؛ حيث استجابت بريطانيا في مايو 2000 لنداء الاستغاثة الذي أطلقه الأمين العام الأممي كوفي عنان، عندما قامت قوات متمردة في سيراليون باختطاف 500 فرد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة وهددت باستئناف الحرب، حيث أرسلت قوة جوية وبحرية أقنعت المتمردين بإطلاق سراح المختطَفين. وهو ما شكل نموذجاً للجمع الفعال بين القوة العسكرية والقوة الأخلاقية، التي يتوق إليها الرأي العام الدولي منذ كابوسي رواندا والبوسنة في عقد التسعينيات. تتذكرون عندما أعلن بوش أثناء لقائه بلير لأول مرة، أنهما يستعملان معجون الأسنان نفسه؟ ربما دفع هذا التفصيل بعضنا ليقولوا في أنفسهم: مسكين بلير، لا بد أنه يفتقد كثيراً صديقه القديم بيل كلينتون. والحال أن بلير وبوش أظهرا انسجاماً وتفاهما كبيرين على نحو حيّر وأزعج الناس على جانبي المحيط الأطلسي الذين يعجبهم الأول ويستاءون من الثاني. وقد قُدمت تفسيرات عدة لهذا التفاهم، ومن ذلك أن كلاً منهما يجد في الآخر التصميم نفسه والتشبث نفسه بالمبادئ. فقد كان بلير مصمماً على القضاء على فيروس معاداة الولايات المتحدة داخل "حزب العمل". والأرجح أن رئيس الوزراء البريطاني قد فهم أن العالم الجديد الذي يسعى إليه لا يمكن تحقيقه من دون الأميركيين؛ ولكن الأكيد أن بلير كان يرى أن الولايات المتحدة في حاجة إلى مخاطَب للمساعدة على التعاطي مع تزايد عداء وريبة أوروبا الغربية، فاختار هذا الدور لنفسه. غير أن المثير للسخرية هو أن الرجل الذي كان مستعداً للمخاطرة بمشواره السياسي من أجل قناعاته أصبح يُنظر إليه حليفا وتابعا لبوش. بدت هذه الإهانة جائرة وغير منصفة في حق بلير، وما تزال إلى اليوم؛ ذلك أن بلير ضغط على بوش من أجل معالجة موضوع العراق في مجلس الأمن الدولي، والواقع أنه نجح في ذلك. كما كان بلير يرغب في ترك مفتشي الأمم المتحدة يواصلون عملهم؛ خلافاً لإدارة بوش. إلا أنه بحلول هذا الوقت، لم يكن بمقدور بلير التراجع؛ إذ كان يؤمن إيماناً قوياً بضرورة إيقاف صدام حسين. وعلاوة على ذلك، فقد كان يعتقد أن نزع أسلحة الديكتاتور العراقي بالقوة يشبه قرار مواجهة ميلوسوفيتش، الحاكم المستبد الآخر الذي شكل تهديداً لشعبه والغرب. قد تكون هجمات 2001 الإرهابية غيرت (أو خلقت) رؤية بوش للعالم، ولكنها في حالة بلير، لم تزد رؤيته إلا صلابة وقوة. يغادر توني بلير السلطة وسط سحابة داكنة أكثر من تلك التي رافقت رحيل بيل كلينتون. ويذكرنا مساره بـ"ليندون جونسون"، الزعيم الموهوب والشجاع الآخر، الذي عانى بسبب حرب مدمرة لم يستطع تخليص نفسه منها. غير أن بلير مايزال شاباً ومفعماً بالحماس والحيوية، خلافاً لجونسون عندما غادر السلطة، وأمامه الكثير من السنوات لإعادة الاعتبار لنفسه. وتشير الأخبار التي تتحدث عن احتمال تعيينه مبعوثاً خاصاً إلى الشرق الأوسط من قبل إدارة بوش إلى أن فرص إصلاح ما علق بسمعته من شوائب، قد تأتي على نحو أسرع مما يُعتقد. وقد قال بلير ذات يوم إنه يأمل الدفع بالعقيدة التدخلية الليبرالية التي حمل شعارها من قبل، إلا أنه سيتعين عليه أن يواجه الحقيقة المتمثلة في أن لا شيء أضعف تلك العقيدة أكثر من الحرب التي خاضها باسمها. جيمس تروب ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتب أميركي، مؤلف كتاب "أفضل النوايا: كوفي عنان والأمم المتحدة في عصر القوة العالمية الأميركية" ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة " لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"