تزداد حرب العراق فوضى على فوضى كل يوم. ولذلك فإن من الملائم أن نقف لمحاسبة أولئك الذين دفعوا بنا نحن الأميركيين إلى هذا المأزق. وبالطبع فإنه يسهل توجيه أصابع الاتهام مباشرة إلى الإدارة الأميركية الحالية. والسبب أنها لجأت إلى استخدام ذرائع مُلفقة لتبرير حربها على العراق. وضمن تبريراتها تلك، استغلت الإدارة حالة الذعر التي ألمَّت بالجمهور الأميركي إثر هجمات 11 سبتمبر، وسخرت من معارضيها ومنتقديها. وبالنتيجة فقد غلبت الأيديولوجيا على الواقع وتجاهلته، زاعمة أن بإمكانها إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط، وفق هواها وبالقوة العسكرية وحدها. ولكن من الواجب أيضاً القول إن الكونجرس، مد يد العون هو الآخر في جهوده هذه، وعمد الكثير من أعضائه وقادته، إلى كبت معارضتهم للاتجاه العدواني للإدارة على العراق، إلى أدنى معدلاتها ومستوياتها. والسبب وراء ذلك هو الخوف من اتهامهم بالضعف أو الرخاوة في القضايا المرتبطة بالأمن القومي. وبدافع الحرص على المصالح الذاتية الخاصة، تخلى هؤلاء عن مسؤوليتهم الدستورية وتقاعسوا عن لعب دورهم كقادة ومشرعين. ولذلك فقد استحقوا النقد والتوبيخ على هذا التقصير. غير أن هناك جهات أخرى ضلعت في مساعدة الإدارة على جهودها العدوانية غير المبررة تلك، في مقدمتها المؤسسات الصحفية والإعلامية. ومن المخزي أن هذه المؤسسات جعلت من نفسها بوقاً وطبَّالاً في الترويج للمبررات والذرائع المُلفقة التي شنت بموجبها الإدارة حربها هذه على العراق. وإنه لمن المؤسف حقاً أن هذه المؤسسات لم يحاسبها أحد بعد، ولم توجَّه إليها الانتقادات والأسئلة القاسية التي اتسم بها الحوار العام الدائر في أوساط كل من "الجمهوريين" و"الديمقراطيين" الآن. بل يجب القول أيضاً، إن المؤسسات المعنية لم تقم هي نفسها بأي من ممارسات النقد الذاتي لما فعلته. وإنه لمن الغريب حقاً أن أولئك الخبراء الإعلاميين الذين لا يعلمون سوى النزر القليل عن العراق، لكنهم طالما تربعوا على كراسي الخبراء عندما تدار الكاميرات التلفزيونية عليهم في كل مرة، مؤثرين الكيل بمكيال آخر في ممارسة النقد، الذي طالما أكثروا هم من توجيهه إلى المسؤولين المنتخبين! وعلى رغم أن لهؤلاء الإعلاميين نصيباً وافراً من المسؤولية واللوم المستحق على ما حدث، إلا أنه لم يجرؤ أحد على مواجهتهم بهذه الحقيقة. وكمْ هو مخجل أن تتحول تلك الترهات التي كان ينطق بها "الخبراء" المزعومون هذه أيام حمى الهرولة الجنونية صوب العراق، وكذلك خلال الأيام الأولى لشن الحرب وبدء المواجهات العسكرية، إلى حقائق لا يغشاها الباطل، لا لشيء سوى لكون المتفوِّهين بها من رموز وأقطاب الإعلام الأميركي! وبدلاً من توصيل المعلومات الدقيقة الصحيحة عن طبيعة وأهداف ذلك النزاع، اكتفى هؤلاء بمجرد اجترار المواد الدعائية الصادرة عن البيت الأبيض ووزارة الدفاع وقتئذ. وهكذا أسهم هؤلاء بدرجة كبيرة في تحويل مؤسسات الإعلام الأميركي إلى مجرد غرف وجدران تردد صدى لغو الإدارة ومؤسساتها المدافعة عن وجهة نظرها هي وحدها دون غيرها. وبالنتيجة فقد أكسبت المؤسسات الإعلامية ذلك اللغو مصداقية ومشروعية ليس منهما في شيء! وفي المقابل تخلت المؤسسات نفسها ورموزها، عن مسؤوليتهما ومهنيتهما الصحفيتين. وبما أن حواراً عاماً جاداً قد بدأ الآن لتقييم ما حدث في شن الحرب العراقية، ولمحاسبة مختلف الجهات والأفراد المسؤولين عنها، فإن من الواجب أن تسلط الأضواء والانتقادات للأخطاء الفادحة التي ارتكبها رموز مؤسساتنا الإعلامية. والذي يجعل من هذا واجباً، عدم توقعنا من هؤلاء أن يبادروا إلى انتقاد أنفسهم، أو مناهضة بعضهم لبعض من أجل إبراز وجه الحقيقة فيما ارتكبوه. ولهذا السبب فإنني لأجد نفسي فخوراً جداً بما قامت به منظمة "فير"، التي يشير اختصار اسمها إلى نزاهة ودقة التغطية الصحفية. ومما يبرر هذا الشعور بالفخر، أن المنظمة المذكورة العاملة في مجال الرقابة على الأداء الصحفي، قد دأبت على إصدار تقرير شهري مفصل وعميق، في تحليل الأداء الصحفي لكبريات المؤسسات الإعلامية في البلاد، مع التركيز بصفة خاصة على انتقاد نقاط الضعف والخلل في التغطية الصحفية لتلك المؤسسات. ومما سرَّني بصفة خاصة، انتقاد المنظمة هذه للأداء الإعلامي الذي صاحب شن الحرب على العراق، في عدد نشرتها للشهر الحالي.