عائشة المري إنها لكارثة إنسانية تتجاوز حدود التعليق والتعبير... إنها لفاجعة كبرى في زمن عربي تقلصت فيه الصدمات. لم تعد الحروب ولا الجثث المتفحمة، ولا صور القتلى تثير لدينا فعل الصدمة، أو رد فعل، حتى يستجيب لفعل موازٍ له في القوة ومضاد له في الاتجاه، كإحدى أهم القواعد الفيزيائية وأبسطها. لم تعد أرقام قتلى التفجيرات الانتحارية، ولا قتلى العمليات العسكرية تثير الاستياء الجماعي، وخرجت بالتكرار من "خبر عاجل" لخبر يومي. لم يعد مهماً عدد القتلى، ولا عدد الجرحى، إذ يتساوى الأحياء بالأموات، فعندما لا تحمل الصور القادمة من العراق أو الأراضي المحتلة احتلالاً مزدوجاً من الأعداء والأصحاب أو لبنان وجوها مألوفة، تصبح رقماً يُضاف لأعداد قتلى وطن مستباح. لكن الصور القادمة من عراق التحرير، أحدثت هزةً للوعي العربي، إنها صور بقايا أجساد أطفال عارية، تلاشت تفاصيلها من الجوع والوهن، صور ركام بشري على سرير مفرد، أطفال عراقيون من ذوي الاحتياجات الخاصة مقيدون إلى أسرَّتهم في دار للأيتام، ولسخرية القدر، تسمى "دار الحنان" التابعة لمؤسسات دائرة الرعاية الاجتماعية لذوي الاحتياجات في وسط بغداد. الوطن مستباح وكذلك الأجساد، لا فرق بين رجل وامرأة وطفل؛ فبعد استباحة الأرض، استُبيحت السلطة من الأحزاب الطائفية والعرقية وميليشياتها، باتت صور الأجساد العارية المتراكمة في زنزانات سجن "أبوغريب" تؤرق ذاكرتنا الجماعية الإنسانية، لكن فضيحة اليوم غير مسبوقة، فضيحة جسدتها صور سيريالية لأجساد أطفال منهكين على الأرض. إنها حادثة تفوق فضيحة "أبوغريب" فظاعة لا لوحشيتها بل لأنها ارتكبت بيد أبناء الوطن، إذ عثرت قوات أميركية وعراقية مشتركة أثناء تنفيذها لعملية مداهمة في المنطقة على 24 طفلاً من ذوي الاحتياجات الخاصة في وضع مزر، وقد عثر الجنود الأميركيون في المطبخ على رفوف كبيرة مليئة بالأطعمة وعلى كميات كبيرة من ملابس الأطفال الجديدة في مستودع ملحق بالدار،وذكر الجيش الأميركي بأنه كانت هناك ثلاث نسوة مربيات ورجلان أحدهما مدير الدار والآخر مرافقه، إلا أنهم فروا، وسرعان ما تناقلت وسائل الإعلام الدولية والعربية الفضيحة الإنسانية، فأي إنسان يقتات من غذاء وكساء يتيم؟! وأي قلب يسمح بانتهاك أجساد عاجزة إلا قلب نزعت منه الرافة والإنسانية. لا حاجة بنا للقول بأن الأطفال، وبصفة خاصة الأيتام، والأخص ذوي الاحتياجات الخاصة، هم أكثر الفئات حاجة للعناية والرعاية، فالأديان السماوية والقيم الإنسانية المشتركة، كلها تحض على هذا. ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم: "أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة". هي وصمة عار، ستبقى في جبين الحكومة العراقية. يُقاس تحضر الشعوب بمقياس إنسانية الفرد فيها في تعامل الدولة والشعب مع الفئات الضعيفة كالأطفال والمسنين والنساء، وتشكل حماية الدولة للضعفاء والعاجزين أولوية مجتمعية وإنسانية، فهل عجزت الدولة العراقية عن حماية الأطفال وأي أطفال، أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة؟ إن حادثة دار الأيتام مؤشر خطير على الانحدار الأخلاقي والاجتماعي والإنساني الحاصل في العراق، وما القائمون على الدار إلا عينة لما يحصل في العراق، وما انتهاكات الأيتام إلا حلقة في سلسلة انتهاكات للجسد العراقي، تظهر صوره هنا وهناك، معلنة فشل الحكومة والدولة ومعهما دمقرطة العراق. سارعت الحكومة العراقية، أمام الرأي العام العالمي المستنكر للفضيحة، بفتح تحقيق فوري في الحادث من قبل وزارة الصحة، وبرئاسة المفتش العام في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، باعتبارها الجهة المسؤولة عن الدار، وكما هي العادة العربية في إلقاء المسؤولية على الآخرين، سارع وزير العمل والشؤون الاجتماعية العراقي، محمود محمد الراضي، بانتقاد التقارير، التي صدرت عن هذه القضية واصفاً إياها بغير الدقيقة، وفي أغرب تبرير تناهى إلى سمعي، قال الوزير إن الحكومة العراقية "ترفض الطريقة التي استعملت بها هذه القضية، والتي تمثلت بتضخيم الحقائق، كي يظهر الأميركيون على أنهم بمنتهى الإنسانية". كيف تضخم الحقائق عندما تحملها صور لأطفال عراة أجسادهم نهشها الجوع، فهل أفرغ الأجساد المحتل حتى يظهر أكثر إنسانية، أي تبرير معاق لحكومة معاقة حتى عن التكفير عن سيئاتها وتحمل الأخطاء، هل استقال وزير العمل والشؤون الاجتماعية باعتباره مسؤولا أعلى عن فضيحة دار الأيتام ؟ بالطبع لا بل سارع بالقول بأنه "عمل جاهداً كي لا يرمى هؤلاء الأطفال وبعضهم معوق ومنهم من تخلت عنه عائلته من الموت في الشوارع". منتهى الإنسانية! حادثة دار الأيتام، أكدت ما لم يكن خافياً من ضعف الحكومة العراقية وأثبتت الخلل الخطير، الذي أصاب الجسد العراقي، ممثلاً في فئات من الشعب جمعت الدناءة بالجشع. بشاعة الجريمة تتضاعف عندما ترتكب بيد أبناء الوطن، وعندها تتضاعف الأسئلة في محاولة لفهم سلوك ممارسي هذا النوع من العنف، ومعها تظهر الحاجة لدراسة نوع فريد من السلوك الإنساني العراقي في أوقات الأزمات والحروب وتكرار المآسي اليومية وانعكاسات كل ذلك على بنية المجتمع العراقي وأفراده، في ظل توالد اليتامى والأرامل والمعوزين في ليل العراق الطويل، التاريخ لن يرحم حكومة المالكي على مآسي العراق، فعار على الحكومة العراقية أن تُلقي على الإعلام باللوم، وعار إن لم توقع الحكومة العقوبة الملائمة بمن أجرموا بحق أيتام بغداد من ذوي الاحتياجات الخاصة. يتضاعف البؤس العراقي كل يوم، لكن تبقى حقيقة أن الحكومة تتحمل كافة المسؤولية القانونية عن أي انتهاكات لحقوق الإنسان حسب القوانين المحلية والمواثيق الدولية، التي وقعتها الحكومة العراقية كاتفاقية حقوق الطفل، والتي تلزمها في هذه الحالة حماية الأطفال، كما تتحمل الدولة مسؤولية تزويد ذوي الاحتياجات الخاصة بالرعاية الصحية اللازمة من ناحية المرافق والإشراف. فلا عذر للحكومة العراقية حتى لو وظفت الصور، وكما قال وزير العمل والشؤون الاجتماعية إعلامياً وفق أجنده القوات الأميركية. إن جريمة دار الأيتام المسمى بـ"دار الحنان" ستبقى صورة راسخة في الوعي الجماعي العربي صورة لعراق اليوم، سيذهب الاحتلال ومعه المتسلقون وتبقى صور أيتام في وطن مستباح عارا مقيما.