ترافق ارتفاع درجات الحرارة في منطقة الخليج مع ارتفاع التوتر بين ضفتيه العربية والفارسية. وفي منطقة تختزن أكبر مخزون نفطي، وتحمل بؤر توتر داخلي كامنة وظاهرة، تمتزج فيها المشاكل الحدودية العالقة مع شك مُقيم بين ضفتيه، تهرول إيران إلى النادي النووي، وتتهاوى الجمهورية العراقية، فيما تستمر المناورات العسكرية الأميركية تعقبها مناورات عسكرية إيرانية. مخاوف آنية وتجارب مريرة، تُلقي بظلالها على الشعوب قبل الحكومات. تتصاعد وتيرة التهديدات فيما تحاول الدول الخليجية فرادى ومجتمعة تحت مظلة مجلس التعاون، التخفيف من حدة التوترات وامتصاصها. لا تحتمل منطقة الخليج اليوم مواقف "دون كيشوتية" كتلك التي عبر عنها الأدميرال علي شمخاني، وزير الدفاع الإيراني السابق وكبير المستشارين العسكريين للمرشد الأعلى علي خامنئي، مهدداً ومحذراً دول الخليج من حرب شاملة تستهدفها في حال نفذت الولايات المتحدة أي هجوم على المنشآت النووية الإيرانية، مصرحاً بأن دول الخليج ستكون هدفاً للصواريخ الباليستية الإيرانية، وأن إيران لن تضرب القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة فحسب بل ستضرب أيضاً أهدافاً استراتيجية كمضخات النفط ومحطات الطاقة في الدول الخليجية. تصريحات سرعان ما نفاها شمخاني، واصفاً البلدان العربية بـ"أصدقاء إيران الحقيقيين"، نافياً تهديده بضرب المنشآت النفطية لدول الخليج، قائلاً بأن "تلك المنشآت في الدول العربية، تعتبر بمثابة المنشآت النفطية الإيرانية". تفاجأت دول الخليج من تلك التصريحات، واعتبرتها مؤشراً للتصعيد، في الوقت الذي تتجه فيه هذه الدول للتهدئة، خاصة مع تزايد الضغوط الأميركية تجاه الخيار العسكري لتحجيم الطموحات النووية الإيرانية. فقد صرحت دول الخليج في أكثر من مناسبة بأنها لن تسمح بانطلاق العمليات من القواعد الموجودة على أراضيها، وأنها لا تدعم الخيار العسكري، فهو في النهاية لا يصب في استقرار أو أمن المنطقة. لقد أعلنت جميع الدول الخليجية بلا استثناء عن رغبتها في معالجة التوتر الناجم عن الملف النووي الإيراني سلمياً وعبر القنوات الدولية سواء مجلس الأمن أو الوكالة الدولية للطاقة. والمحادثات والمفاوضات الدبلوماسية، هي الخيار الذي تدعمه دول الخليج. إلا أن هذه التصريحات المنفية لاحقاً تلقي بظلال من الشك حول هدفها الفعلي، خاصة بعد زيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لكل من الإمارات وعُمان، زيارة كانت الأولى من نوعها لرئيس إيراني منذ قيام الثورة قبل ثلاثة عقود. زيارة ازدحمت أجندتها بالقضايا الأمنية والاقتصادية والطاقة. جاءت الزيارة بالتوالي بعد يوم من مغادرة نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني، "صقر" الإدارة الأميركية، الذي حاول حشد التأييد الخليجي لمواجهة ما أسماه بـ"الهيمنة الإيرانية" على المنطقة، وقال إن بلاده ستمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية. واشنطن تريد تشكيل جبهة ضد إيران، وإيران في المقابل سعت لتحييد دول الخليج حال المواجهة العسكرية بين طهران وواشنطن، وفي الوقت ذاته محاولة التوصل إلى ترتيبات أمنية مقبولة للطرفين، ترتكز على استبعاد الوجود الأميركي من معادلة الخليج. دول الخليج أعلنت موقفها في القمة التشاورية الخليجية في الرياض التي أعقبت الزيارتين، فالقادة الخليجيون نأوا بدولهم عن التوتر القائم بين طهران وواشنطن، متمسكين بمواقفهم الثابتة إزاء هذا الملف الشائك، مؤكدين من جديد على عدم اللجوء إلى الخيار العسكري، والتمسك في الوقت ذاته بكافة الوسائل السلمية لإنهاء المناوشات الإيرانية- الأميركية حول العراق والملف النووي وإسرائيل. وقد أوضح الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبدالرحمن العطية "إن علاقة دول الخليج مع الولايات المتحدة لا تنطلق من منظور عداوة لدولة أخرى، وهي علاقات ليست وليدة اللحظة"، للرد على دعوة الرئيس الإيراني لإنهاء وجود القوات الأميركية في منطقة الخليج. من ناحية أخرى لدول الخليج مخاوف مشروعة من النووي الإيراني، فالمنشآت النفطية الإيرانية أقرب ما يكون من دول الخليج، وأي تسرب نووي أو نفايات نووية يشكل تهديداً مستداماً للمنطقة ككل. وكذلك لدول الخليج مخاوف وتحفظات على التدخلات الإيرانية المثبتة في الساحة العراقية. وقبل كل ذلك فالخليجيون لا يريدون أن تكون منطقتهم ساحة لصراعات جديدة. من الواضح أن هناك حدوداً نفسية بين الإيرانيين وجيرانهم العرب، والزيارات المشتركة واتفاقيات التعاون، يجب أن يسبقها تحطيم للحدود النفسية وخلق روح للمودة والتعاون لخدمة المصالح المشتركة، فإذا ما بنيت هذه الجسور، أمكن إيجاد حل سلمي للقضايا محل النزاع سواء أكانت جزراً محتلة أم ترتيبات أمنية مشتركة، أم طموحات نووية، فالتصريحات العدوانية وتأزيم المنطقة لا يخدم أياً من الدول على ضفتي الخليج. صحيح أنه غالباً ما يلجأ السياسيون في إيران إلى توظيف مسألة النووي الإيراني من أجل الحصول على الدعم الشعبي بالحديث عن التهديدات الخارجية، لكن تحليل ومتابعة سياسات إيران تجاه جيرانها، يدفعنا للقول بأن إيران، وكمحصلة تاريخية تعاني من عقدة اضطهاد في الوعي السياسي، تدفعها لانتهاج سياسات متناقضة تجاه العالم الخارجي وتجاه جيرانها الخليجيين، سياسات تبعث بإشارات متناقضة من التقارب والتباعد في المواقف. سياسة تصيب متخذ القرار على الضفة الأخرى من الخليج بالحيرة من لاعقلانية التصريحات وتناقضها. وفي ظل هذه المعطيات لا توجد حلول سهلة لأوضاع خليجية معقدة، لكن هذا الواقع قابل للتفسير، فالعلاقات الدولية لا تُدار بالتصريحات والتمنيات بل بموازين القوة وأرقام الاقتصاد. سعت الدول الخليجية على الدوام إلى إدخال إيران في شبكة علاقات كثيفة مع الدول الخليجية والدول العربية، فلم تنقطع الصلات مع جارتنا الشمالية حتى مع ارتفاع لهب التصريحات، فدولة الإمارات أكبر شريك تجاري لإيران رغم احتلال إيران المستمر لثلاث من جزر الإمارات طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى. ولم تحاول الدول الخليجية عزل جارتها الشمالية، فهي تعرف قبل غيرها تشابك المعطيات التاريخية والقومية من خلال تزاوجها في الجغرافيا، وبأن لدول الخليج العربية وإيران مصيراً مشتركاً، حقائق ثابتة، لا يمكن الدوران حولها بل التعاطي معها، وأولى الخطوات المطلوبة إيرانياً هي إسكات ثورات البراكين الثورية، وأن يصبح تعزيز العلاقات مع جاراتها الجنوبيات أولوية سياسية قبل أن تكون أمنية فهي اقتصادية. إن التعامل الإيراني مع الدول الخليجية مازال يلقي ظلالاً من الشك حول إمكانية ترسيخ الطمأنينة في العلاقات مع إيران، ومحاولة إحداث نقلة نوعية في العلاقات الإقليمية بعيداً عن طموحات الهيمنة. إن إيجاد أرضية مشتركة للتفاهم بين الدول الخليجية وإيران، هو حاجة يفرضها التطلع للمستقبل، فشعوب الخليج ودوله لا ترغب في أن تدفع فاتورة الطموحات الإيرانية.