"ديمقراطية هاتفية" دون "يسار" في فرنسا... و"سجن" بسماء مفتوحة في قطاع غزة! أزمة "اليسار" الفرنسي وإخفاقاته المتواصلة، ومخاطر قيام "حماسستان" في قطاع غزة، وتقرير أممي "سري للغاية"، يكشف دور المجتمع الدولي -وخاصة واشنطن- في تردي الوضع في فلسطين. موضوعات ثلاثة نستعرضها ضمن قراءة سريعة في افتتاحيات الصحف الفرنسية. ------------ أزمة "اليسار" الفرنسي: تزامناً مع الدور الثاني للتشريعيات الفرنسية اليوم، وبالنظر إلى النتائج المُخيبة للآمال التي نالها "اليسار" في الدور الأول، الأحد الماضي، تناولت الصحافة الفرنسية بإسهاب ما اعتبرته أعراض أزمة وجودية تجتاح "اليسار" عامة، والحزب "الاشتراكي" منه خاصة. في افتتاحية صحيفة "ليبراسيون" اعتبر لوران جوفرين أن "اليسار" منذ هزيمة الرئاسيات الأخيرة، لا يبدو الآن في أفضل حالاته، هذا كلام صحيح، وهو أقل ما يمكن قوله. فالزعماء "الاشتراكيون" تمزقهم الخلافات، وتقلص من فرصهم الاختيارات والرهانات الخاطئة، بشكل مستمر. أما أحزاب أقصى "اليسار" القزمية فقد أخفى رؤوسها علو موجة الفوز "اليميني"، ولذا فالمتوقع هو أن الحزب الحاكم سيطبع فرنسا خلال السنوات المقبلة بطابعه، بشكل شبه كامل. وفي افتتاحية لوفيغارو اعتبر ألكسيس بريزيه أن الرئيس نيكولا ساركوزي سيجد نفسه في ظروف من السيطرة البرلمانية ستحول الكرة إلى مرماه، حيث لن يعود له عذر إذا لم يترجم كل ما قطع من وعود فضفاضة، على أرض الواقع. وإن كان الكاتب نبّه إلى أهمية وجود "يسار" فاعل، حفظاً لنوع من توازن القوى الرمزي في الحياة السياسية. أما في لومانيتيه فقد قلل "بيير لوران" من شأن الإصلاحات الاقتصادية "الاستباقية"، التي أعلنتها حكومة "فيون" تمهيداً -ربما- للتشريعيات، مؤكداً أن من شأنها، على عكس ما هو مُعلن، أن تزيد الفقراء فقراً، وأن تقلِّص القدرة الشرائية لقطاعات واسعة من الفرنسيين، معتبراً أن ستار الدخان الكثيف والكذب المكشوف الذي جاء زعماء الحزب الحاكم متسللين وسط سجوفه، بدأ يتلاشى الآن، وبدأت الحقائق العارية تتكشف في وضح النهار. وفي مقال رأي بعنوان: "وقائع يسار غارق"، نُشر بصحيفة لوفيغارو أيضاً، اعتبر إيفان ريوفول، أن سيطرة الحزب الحاكم على البرلمان، وعلى الحكومة، في نفس الوقت، ليست علامة صحة أو عافية للديمقراطية الفرنسية. ولكن المشكلة هي أن الجمهور الفرنسي انفضَّ، بشكل واضح، عن "الاشتراكيين"، الذين أفلسوا سياسياً، ولم يعد لديهم ما يقولونه. وهو ما يصدق أيضاً على زعيم "الوسط" فرانسوا بايرو، المغرَم بلعب دور "الضحية"، ولكن دون فائدة. وعن الزعامة ثنائية الرأس للحزب "الاشتراكي"، كتبت صحيفة لوموند افتتاحية أبرزت فيها اختلاف توجهات السكرتير الأول فرانسوا هولاند وشريكته -في الحياة وفي الحزب أيضاً- سيغولين روايال. وقد نقلت الصحيفة وصف فرانسوا هولاند لدعوة روايال لناخبيها التصويت لصالح حزب بايرو، لغياب مرشح اشتراكي في الدور الثاني –إضافة إلى الرسائل الأخرى المتتالية- بسماه "الديمقراطية الهاتفية". ومع أن هولاند أضعف موقفه قرب موعد مغادرته، فإن شريكته على رغم كاريزميتها الإعلامية، ما زالت تصطدم، هي الأخرى، بعوائق منافسيها من "فيلة" الحزب المُخضرمين، وربما المُحنَّطين. كما أن الإعلام الذي يُتهم كثيراً بتضخيم فقاعتها هي –وبايرو- يتهم الآن أيضاً بـ"تنفيس" تلك الفقاعة والتقليل من شأنها. غزة تتحول إلى "حماسستان": تحت هذا العنوان كتب بيير روسلين افتتاحية في صحيفة لوفيغارو قال فيها إن مواجهات الأيام الماضية في غزة حملت نبأ غير سار لإسرائيل مؤداه أن جيباً إسلامياً متشدداً تقوده "حماس"، بشكل شبه كامل، بدأ يقرع الآن الأبواب. والحقيقة أن هذه التطورات الدراماتيكية كانت متوقعة منذ فوز الحركة في انتخابات يناير 2006 التشريعية. ومع أن العقوبات الدولية نغَّصت على "حماس" مهمة الحكم، إلا أنه كانت لها آثار عكسية أيضاً، أتت بغير ما أريد منها أصلاً. فقد أدى شلل ما تبقى من مؤسسات السلطة الفلسطينية إلى "معاقبة" وتهميش غير مقصودين للمعتدلين الفلسطينيين. والأخطر من كل ما جرى حتى الآن هو أن تنتقل الحرب الأهلية إلى الضفة الغربية، ذلك لأن الوقت قد مضى إلى غير رجعة في غزة، وأصبح هنالك اليوم "أمر واقع". ويرى روسلين أن من شأن قيام "حماسستان" في القطاع أن يُلهم كل الحركات الإسلامية المتطرفة عبر العالم، ويشجعها على مزيد من التطرف، بالنظر إلى مركزية المسألة الفلسطينية، في الوجدان العربي الإسلامي في كل مكان. وينتقد الكاتب أخيراً الرباعية الدولية التي ما زالت تتعلق بسراب عملية سلام لم تعد شروط استئنافها موجودة، من الأساس. وفي "لاشارانت ليبر" جاء في افتتاحية كتبها "دومينيك جارو" أن مهرجان ردود الفعل الدولية المنزعجة من سيطرة "حماس" على غزة ومن مخاطر انتقال ورشة العنف المفتوح إلى الضفة الغربية، كان أجدى منه بكثير الضغط على تل أبيب وواشنطن لكي تستجيبا لدواعي البحث عن حل شامل ومتفاوض عليه للصراع، وهو حل يتوافر إطاره العام، مع ذلك، منذ ربع قرن، ومؤداه ضرورة قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، وضمان أمن إسرائيل. وفي السياق نفسه ركزت افتتاحية "دومينيك برومبرجر" في "لوتلغرام" على التحدي الذي تطرحه الحالة الجديدة في غزة على مصر والأردن تحديداً، الأولى في صراعها الطويل مع الجماعات المُتشددة، والثانية في مقابل خطر انتقال العنف إلى الضفة الغربية، خاصة في ضوء حجم نسبة مواطنيها ذوي الأصول الفلسطينية. وأخيراً طالبت افتتاحية في "نور أكلير"، كتبها "جيل كلويرت"، إسرائيل بأن تعطي الفلسطينيين فرصة للأمل، وذلك بالتوقف عن قضم المزيد أراضي القدس الشرقية، وتوسيع المستوطنات، وهذا أدنى دعم تستطيع تقديمه للرئيس محمود عباس. كما نبهت الافتتاحية الدول العربية، أن عليها أن تخشى من "عرْقنة" تجتاح عموم المنطقة، إذا استمر الوضع على حاله في غزة. إعلان الفشل الدولي... رسمياً: انفردت صحيفة لوموند يوم الخميس الماضي بنشر ملخص تقرير مُصنَّف "سري"، سلمه المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى الشرق الأوسط، "ألفارو دوسوتو"، مع انتهاء مهمته، التي استغرقت سنتين، وقد انتهى المبعوث الأممي إلى استخدام لغة إدانة شديدة اللهجة للإخفاق الدولي، وفي تقديمه لصورة قاتمة عما يجري. وانتهى "دوسوتو" إلى تحميل شبه كامل لواشنطن تحديداً، وللأسرة الدولية عامة، للمسؤولية عن المأزق الراهن. واعتبر "دوسوتو" أن إسرائيل هي المسؤولة بشكل واضح عن اختناق وتجمد عملية السلام. فشعور تل أبيب بأنها فوق المساءلة الدولية، بفعل الدعم الأميركي -الذي وصل على يد إدارة الرئيس بوش إلى حدود غير مسبوقة- والأوروبي، وفي ظل التغاضي الأممي، كان بطبيعته مؤشراً على فشل دبلوماسي دولي، يستحق كل هجاء. ويتهم المبعوث الأممي بشكل صريح واشنطن بإذكاء نار العنف الحالية في غزة، فالسياسة الأميركية التي دخلت في مواجهة مع "حماس" خلال السنتين الماضيتين، رفضت التعاطي مع نوع من "الغموض البنَّاء" أظهرته الحركة، إزاء ما هو مطلوب منها، وكان يمكن من خلاله دفعها إلى نوع من الواقعية السياسية، وهذا ما أدى إلى احتدام العنف الآن في غزة. بل إن "دوسوتو" يتهم، بعبارة صريحة، الأميركيين بالعمل على تخليق أسباب هذا العنف، وينقل عن دبلوماسي أميركي كبير تعليقه بالقول: "إنني أحِبُّ هذا العنف"، في تعليق على ما يجري الآن في غزة، على أمل أن تكون فيه نهاية قريبة لـ"حماس". ويحمِّل الرجل أيضاً واشنطن مسؤولية إفشال حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، وتقليص فرص المبادرة العربية للسلام، التي تقضي بإنشاء دولة فلسطينية في حدود 1967. وهي دولة يرى "دوسوتو" أن إمكانية قيامها بعد الآن، أصبحت أكثر صعوبة، مندداً بما اعتبره تحولاً لغزة إلى "سجن بسماء مفتوحة". كما ندد بقوة بسياسات الأمر الواقع الإسرائيلية، وبالتواطؤ الأميركي، والدبلوماسي الدولي، مع هذه السياسات الخاطئة وغير المنصفة، والمعرقلة لمسار التسوية في الشرق الأوسط. إعداد: حسن ولد المختار