تبرز إندونيسيا وهي أكثر البلاد الإسلامية سكاناً في الوقت الراهن، باعتبارها صانع سلام محتملاً، في منطقة الشرق الأوسط المضطربة، وباعتبارها أيضاً قوة اعتدال يمكنها موازنة التطرف "الجهادي". والخطوات التي تتخذها إندونيسيا في هذا السياق خطوات تجريبية حتى الآن، مما يجعل بعض المنتقدين يُبدون تشككاً في إمكانية أن تكون لدى إندونيسيا القدرة الكافية التي تمكِّنها من لعب هذا الدور المأمول. ولكننا إذا ما نظرنا إليها على أنها دولة يبلغ تعداد سكانها 240 مليون نسمة غالبيتهم العظمى من المسلمين، فإننا سنجد أنه بمقدورها القيام بهذا الدور، كما أنه يمكنها على الأقل أن تقدم نموذجاً للكيفية التي يمكن لكل من الديمقراطية والإسلام أن يتعايشا بها معا وبنجاح. في مقابلة أجراها مؤخراً مع صحيفة "نيويورك تايمز" أعرب ""نور حسن ويرايودا" وزير الخارجية الإندونيسي، عن رغبة دولته في الاضطلاع بدور أكبر في حل مشكلات العالم الإسلامي.. لأن الدول الإسلامية في الشرق الأوسط، كما قال، غارقة حتى أذنيها في مشكلاتها الداخلية منذ فترة طويلة، بحيث أصبحت تركز أكثر مما يلزم على موضوعات محددة وتتناسى أخرى. وأضاف "ويرايودا": "أما نحن الذين نرى الأشياء في الشرق الأوسط من بعيد، فقادرون على الرؤية بشكل أفضل وأوضح وأبعد... ومن ثم فإنه يمكننا إنتاج أفكار جديدة، قد تكون ذات فائدة في إطار السعي لإيجاد حلول للمشكلات التي يعاني منها العالم الإسلامي". والاختبار الأول الكبير لسياسة الانغماس الإندونيسي في شؤون الشرق الأوسط سيتم في شهر أغسطس القادم، عندما تحاول إندونيسيا عقد مؤتمر للتسوية والوساطة بين الفصيلين الفلسطينيين المتنازعين "حماس" و"فتح". والنهج الذي تتبعه إندونيسيا لحل مشكلاتها الداخلية يعرف باسم نهج "المشاورة"، وهو يعني القدرة على جمع الفرقاء المتنازعين، وإقناعهم بالجلوس معاً، واتخاذ القرارات بناء على صيغة الإجماع بدلاً من صيغة "الرابح" و"الخاسر". وهكذا يتوقع لهذا المؤتمر أن يجلب طائفة من الخبراء والشخصيات السياسية من الولايات المتحدة وأوروبا من أجل المشاركة في المناقشة. وإذا ما تمكن الجميع من التوصل إلى قرار مقنع ومُرضي من خلال المشاورة، يمكن أن يزيل الانقسامات بين الفرقاء الفلسطينيين، ومثل هذا القرار يمكن أن يبث حياة جديدة في عملية السلام الإسرائيلية- الفلسطينية المتجمدة، وهو ما يمكن أن يؤدي في حالة تحققه إلى تعزيز مصداقية إندونيسيا كمفاوض ناجح في الشؤون الإسلامية. وقد نصَّ "لي كوان يو"، رئيس وزراء سنغافورة السابق، الذي يعتبر واحداً من حكماء آسيا المخضرمين، على إندونيسيا بالاسم، باعتبارها دولة جوهرية يجب أن تشارك في الحرب ضد الإرهاب. ففي مقال نشر في مجلة "فورين آفيرز" في وقت سابق من هذا العام، كتب "لي كوان يو" يقول: "عندما تشارك الحكومات الإسلامية المعتدلة مثل حكومات إندونيسيا وماليزيا ودول الخليج العربي ومصر والأردن علناً في تحالف متعدد الدول ضد الإرهاب الإسلامي ولا تشعر بحرج من ذلك، فإن تيار المعركة سينقلب ضد المتطرفين". يذكر أن إندونيسيا -غير العربية- قد عرفت طويلاً نسخة من الإسلام أكثر اعتدالاً من تلك النسخة الموجودة في دول أخرى، كما أنها أكثر اعتياداً على الديمقراطية. فالرئيس سوكارنو الذي قاد إندونيسيا إلى الاستقلال عن الحكم الاستعماري الهولندي عام 1949، تمت الإطاحة به بعد أن أمضى في الحكم 20 عاماً تميزت بسوء الإدارة، لينصِّب العسكريون مكانه الجنرال سوهارتو رئيساً للبلاد، ولكنه كان مخيباً للآمال مثل سلفه، وتمت الإطاحة به هو الآخر في نهاية المطاف، لتنعم إندونيسيا بعد ذلك، ومنذ سبع سنوات، بفترة من الاستقرار تحت قيادات منتخبة ديمقراطية. والرئيس الإندونيسي الحالي "سوسيلو بامبانج يودويونو" هو أيضاً رجل عسكري سابق، ولكنه خاض انتخابات نزيهة جاءت به إلى الحكم. وعلى رغم أن المؤسسة العسكرية تمثل مشاركاً نافذاً في طريقة "المشاورة" الإندونيسية في اتخاذ القرارات، إلا أن الرئيس "يودويونو" والعديد من جنرالات إندونيسيا، يتمتعون بعلاقات ودية مع المؤسسة العسكرية الأميركية، كما أنهم على إلمام أيضاً بالتقاليد الديمقراطية من خلال الزيارات التي يقومون بها إلى أميركا، والتدريب الذي تلقوه هناك. وعلى رغم أن الرئيس "يودويونو" يفضل أن تلعب بلاده دوراً أكثر بروزاً في حل بعض مشكلات العالم الإسلامي، إلا أنه يعرف أنه مضطر للالتزام بقدر من الاحتراس والحذر، لأن دولته تواجه هي الأخرى تهديداً من جانب متطرفيها "الجهاديين" الذين نفذوا بعض الأعمال الإرهابية، مما اضطر السلطات الإندونيسية إلى ملاحقتهم وسجن بعض زعمائهم، واحتواء الوضع، خصوصاً أن هؤلاء المتطرفين لا يشكلون حتى الآن سوى أقلية. ولكن نسخة إندونيسيا المعتدلة من الإسلام، ونجاحها في اعتناق وتطبيق الديمقراطية، تجعلان منها تلقائياً عدواً للحركة "الجهادية" العالمية، وبالتالي هدفاً محتملاً لهجماتها. لقد شهدت إندونيسيا على مر تاريخها الكثير من المصاعب والمحن، حيث تعرضت للاحتلال على أيدي الهولنديين، ثم الاحتلال أثناء الحرب بالعالمية الثانية على أيدي اليابانيين، ثم جاء نظام سوكارنو الذي غازل الشيوعيين، ثم نظام سوهارتو الأوتوقراطي الذي تعرض فيه الشعب الإندونيسي للمعاناة والفقر، بسبب استغلال ونهب ثروات البلاد الطبيعية لسنوات عديدة. في الوقت الراهن يتمتع الشعب الإندونيسي بفترة من السلام والانسجام النسبيين، مما يجعلنا نقول إن المثال الحالي من الاستقرار والاعتدال الذي تضربه هذه الدولة الإسلامية الكبيرة -بل وأيضاً نظام "المشاورة" الذي تتبعه في حل المشكلات، والذي قد يبدو جديداً للبعض- قد يكون قادراً على الإشارة إلى الطريق الذي يمكن لبعض مناطق العالم الأكثر غضباً وتشنجاً والأقل استقراراً الاسترشاد به، في حل الكثير من المشكلات التي تواجهها. جون هيوز ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مساعد وزير الخارجية الأميركية في عهد الرئيس ريجان ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"