يشير التقرير السنوي حول الجيش الصيني، الذي صدر عن "البنتاجون" الشهر المنصرم، إلى زيادة مهمة في قدرات بكين العسكرية مثلما لاحظت ذلك جميعُ التقارير منذ أن بدأت وزارة الدفاع في إصدارها عام 2000. وعلى غرار السنوات الماضية، ركزت جل التعليقات داخل الحكومة وخارجها على انعدام الشفافية من جانب الصين؛ إذ يشتكي الأميركيون من أنهم لا يعرفون حجم إنفاق الصين على جيشها وطبيعة مشترياتها على وجه الدقة. ولعل الأهم من ذلك شكواهم من أنهم لا يعرفون الدافع الاستراتيجي إلى هذا البناء العسكري. والواقع أن الإنفاق الصيني على قطاع الدفاع يشهد ارتفاعاً منذ أزيد من خمسة عشر عاماً. وخلال السنوات الأولى، كان المراقبون الغربيون يقللون من شأن هذه الزيادة ويصفون مخططات الصين لتحديث جيشها بغير المهمة. فكانوا يجادلون في البداية بأن الصينيين يرغبون فقط في تحديث قواتهم لغرض الدفاع عن بلدهم؛ وعندما يتحقق ذلك، كنا نتوقع استقراراً في حجم الإنفاق. بعد ذلك، جادلوا بأنه حتى في حال واصل الصينيون البناء العسكري، فإنهم سيحتاجون لعقود طويلة، كي يطرحوا مشكلة حقيقية للولايات المتحدة أو حلفائها في المنطقة. وبعد ذلك، ومع استمرار وتيرة ونطاق البناء العسكري بمعدلات تفوق كل ما كان يتوقعه معظم مراقبي الصين، أصبحت حجتهم: إن الصين تتوفر على اقتصاد قوي ونامٍ؛ وبالتالي، فمن الطبيعي أن تستعمل هذه الموارد الإضافية لبناء قدرة عسكرية حديثة. أما اليوم، وفي وقت تضيف فيه الصين المئات من المقاتلات المتطورة، وتصنع أعداداً من الغواصات الجديدة والفرقاطات والمدمرات، وتقوم بتحديث وتوسيع ترسانتها النووية الاستراتيجية، وتنشر مئات الصواريخ الجديدة، فقد أصبحت حجتهم:الصين عاقدة العزم على رفع قدراتها العسكرية إلى مستويات غير مسبوقة، لأنها ترى أن الولايات المتحدة، باتت تنفق اليوم أكثر على جيشها مقارنة مع أي فترة منذ الحرب العالمية الثانية. الواقع أن ثمة جزءاً من الحقيقة في هذا الكلام، ولكنه جزء فقط وليس كل الحقيقة. فالبناء العسكري الصيني لم يبدأ فعلاً سوى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي -أي في الوقت الذي لم يعد ثمة فيه سبب قوي لقلق الصين على دفاعها. ثم إن البناء العسكري الصيني، استمر خلال الفترة التي كانت تقوم فيها الولايات المتحدة بخفض ميزانية دفاعها خفضاً واضحاً. علاوة على ذلك، لم تكن ثمة قوة آسيوية إقليمية أخرى، تعتمد زيادات مهمة في الإنفاق العسكري. بل على العكس من ذلك، فقد خفضت تايوان -التي يفترض أنها مصدر قلق الصين العسكري الرئيسي- ميزانية دفاعها؛ في حين كانت اليابان، "القوة العظمى" الإقليمية المنافسة الوحيدة الممكنة للصين، تعاني من عقود من الركود الاقتصادي وتعتمد ميزانيات دفاع ثابتة. مما لاشك فيه أن الإنفاق العسكري الأميركي سجل ارتفاعاً صاروخياً منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر. غير أن معظم تلك الزيادة، مثلما يعلم الصينيون علم اليقين، خُصصت لخوض الحرب في أفغانستان والعراق. فلو قمنا بخصم المخصصات الإضافية للحرب، لوجدنا أن نسبة حجم الإنفاق العسكري الأميركي من الناتج الداخلي الخام هي نفسها تقريباً مقارنة مع منتصف فترة بيل كلينتون الرئاسية. وإذا أخذنا مثالاً واحداً فقط، فمن المرتقب أن يتقلص أسطول البحرية الأميركية من الغواصات الهجومية، في إطار مخططات التقليص، إلى أقل من 30 قطعة بحلول 2020. بالمقابل، عززت الصين أسطولها بأكثر من 30 غواصة متطورة على مدى العقد الماضي، ولها برنامج حالي للحصول على ست غواصات جديدة. ولاشك أن شفافية أكبر من جانب الصينيين أمر محمود ومفيد. إلا أنه في ظل غياب تحول مهم إلى التحرير السياسي في الصين، لا يوجد ما يدعو لاحتمال حدوث ذلك. وعلى أي حال، هل نحن فعلاً في حاجة إلى شفافية أكبر لفهم نوايا ومرامي الصين بعد عقد ونصف العقد من البناء العسكري؟ إن الصينيين شعب أبي ومعتز بنفسه، يرغب في أن يُنظر إليه باعتباره أمة قوية، ومهيمنة ربما. والقوة في نظر الصينيين لا تقتصر على الاقتصاد القوي فقط، وإنما تشمل القوة العسكرية أيضاً. لكن منْ يعترض طريق الصينيين عندما ينظرون إلى العالم اليوم؟ الأكيد أنه ليس الأوروبيين، الذين يمتلكون القوة الاقتصادية، ولكنهم لا يتوفرون إلا على القليل من "القوة الصلبة". إنها الولايات المتحدة بالطبع. ويميل كثير من الخبراء الأميركيين المتخصصين في الشأن الصيني إلى الاعتقاد بأن "التنمية السلمِية" للصين تمنعها من الحصول على ما حصلت عليه كل القوى الصاعدة قبلها -القوة والاعتراف. والحال أن الصينيين لا يعتقدون أنهما أمران متعارضان؛ فهم ينظرون إلى نمو الاقتصاد باعتباره مفتاحاً لحل مشاكلهم الداخلية؛ ولكنهم يعلمون أيضاً أنه ضروري وأساسي لتوفير الموارد اللازمة لتحديث الجيش وتوسيعه. إن انعدام الشفافية وسيلةٌ استعملناها لتجنب التعاطي مع المشكلة الحقيقية، ألا وهي طموح الصين في أن تصبح قوة عظمى. ربما يمكن تفهم أن الأميركيين لا يميلون إلى إضافة الصين بالنظر إلى المشاكل والتحديات الجمة التي تواجهها الولايات المتحدة اليوم. غير أن ذلك لا يغير شيئاً من حقيقة أن بكين تعتقد أنه كلما ازدادت قوتها العسكرية، كلما زاد احتمال تحقق تلك الطموحات. غاري شميت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية المتقدمة التابع لـ"أميركان إنتربرايز" ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"