أتابع الأوضاع المتفجرة والحروب في الدول العربية، وأتساءل إلى أين يتجه هذا العالم المعذب وقد ودع للتو الذكرى الأربعين للنكسة؟ في العراق وضع مأساوي ولاإنساني بسبب الجماعات الإرهابية التكفيرية التي عقدت العزم، بالتعاون مع بعض دول الجوار وأركان النظام المدحور، على تحطيم التجربة على رأس مؤيديها، وإقامة "دولة إسلامية" على الأطلال والخرائب كما في أفغانستان زمن "طالبان"! في لبنان محاولة مستميتة لتصفية صوت الحرية والإرادة المستقلة، وإخضاع هذه الدولة الصغيرة الأبية وتحويلها إلى مرتع من مراتع العنف والإرهاب، ومأوى لجماعات القتل والتصفية في الدولتين، العراق ولبنان، ثم شحذ الخناجر والسيوف الطائفية، لتمزيقها والخلاص من صوت الحرية فيهما باسم "مقاومة الأجنبي" و"قوى الاحتلال"، حيث يُقتل مئات وآلاف العراقيين مقابل كل جندي أميركي وبريطاني، أو باسم "عرقلة المحكمة" أو "التصدي للمخطط الأميركي" أو إجهاض "تسوية القضية"، حيث تم شل الحياة الاقتصادية والسياسية والسياحية، وتم تقسيم اللبنانيين إلى معسكرين، وتوالت عمليات الاغتيال والتفجير تمهيداً لكوارث أكبر! ولا تكتسب الذكرى الأربعون للنكسة معنى مأساوياً مثلما نرى في غزة على أرض فلسطين، حيث يجري اقتتال وحرب تصفيات أي منهما ما توقع العرب أن تقوم به القوات الإسرائيلية. وإذا استمرت هذه الحرب، فقد تأتي على خطة السلام العربية وعلى حق العودة، بل وعلى أي تعاطف عربي ودولي مع القضية الفلسطينية! هذه الجبهة الملتهبة في العراق ولبنان وفلسطين، خلفها دول أربع أخرى على الأقل، تدخل دائرة العنف وتخرج ثم تدخل وتخرج.. وهكذا! فهناك الصومال، أفغانستان وأفريقيا التي جاء مجاهدوها عبر "المحاكم الإسلامية"، والتي لم يمنع غياب الجبال الشاهقة وقوع تشابك وتفجير وتقاتل وتصادم، لا يقل عدد ضحاياه وحجم دماره عما جرى في كابول وقندهار. وهناك اليمن المبتلى، الواقع بين نار تنظيم "القاعدة" من جانب ونار الفتنة الطائفية من جانب آخر. فكأنها عراق أو لبنان أخرى. وهناك ثالثاً الجزائر التي لا يعرف أحد مصيرها في ظل هذا العنف الذي يهدأ ويشتد، ويختفي عن المدينة، ليعيث بالريف خراباً، ثم يعود إلى الحواضر والمدن، ليذكّر الجزائريين والعالم الخارجي بـ"ملاحم" الإرهاب وحفلات قطع الرؤوس وتصفية أهالي القرى بلا رحمة و"أخذ السبايا" من "كفار" أهل الجزائر المسلمين الموالك! وهناك رابعاً السودان، التي قيل في إمكانياتها الزراعية والاقتصادية الكثير، والتي تدهورت سياسة واقتصاداً ومكانة منذ أن استلمها "انقلابيو الإسلام" عام 1989 بعد تجارب الرئيس النميري، وبعد قطع للأيدي والأرجل والجَلْد. فقد هدأت البلاد في الجنوب لتشتعل في الغرب ودارفور. خلف هذه الدول الأربع في دائرة العنف والتفجير والإرهاب والمتاجرة بالدين والخلافة والجهاد، أربع دول عربية أخرى مهددة! مدنها وعواصمها تزخر بالحركة والحياة، ولكنها جميعاً عرضة لحوادث الإرهاب، التي لا ترحم: مصر، السعودية، والمغرب والأردن! وإذا ألقينا نظرة خارج العالم العربي باتجاه العالم الإسلامي، رأينا تركيا، حيث تتوالى حوادث التفجير والتخريب فيها، تارة على يد متشددي الأكراد، وتارة بيد خلايا تنظيم "القاعدة"، التي لا تنام! وباكستان، حيث تتداخل عناصر الإرهاب ولوردات القبائل والعشائر، وملوك الفساد والإقطاع، وصراعات المهاجرين والمقيمين، وحيث تضيع المعالم بين الإرهابيين والمعتدلين في ظل كل أنواع التعصّبات. هل ثقافتنا السياسية والاجتماعية في العالم العربي والإسلامي أكثر تقبلاً للعنف وأشد تمجيداً لاستخدام القوة؟ ربما كان هذا أو بعضه صحيحاً، وربما كنا نبالغ في نقد تجاربنا ونُدمن جلد الذات. ولكن لابد من وقفة جادة مع النفس ومع العقل السياسي ومع الأولويات السياسية والفكرية التي تتحكم بنا.. قبل أن ينهار كل شيء وندخل مرحلة اللاعودة! لا تزال "الدولة" نفسها لدى الكثير من المتحمسين فينا مجرد أداة أو وسيلة لإنجاز أهداف سامية ومُثل سياسية عقائدية، لا مجموعة مؤسسات ديمقراطية حديثة تدخل العرب والمسلمين القرن الحادي والعشرين. ولا يزال استخدام الزعامة والقوة مبرراً ما دامت ترفع شعارات براقة! لا أحد يكترث حقيقة بمصير وسعادة ورفاه الناس! ويمكن لأي مجموعة أو جماعة أن تعصف بمصالح واستقرار أي بلد عربي لـ"إسقاط المخططات الأميركية" أو للبدء في "بناء قاعدة للنظام الإسلامي" أو لـ"استرجاع فلسطين"! لقد رفضت شرائح عريضة من المثقفين والساسة وقادة الحركات وعامة الجمهور "دولة الواقع" في العالم العربي، لأسباب لا مجال هنا لمناقشتها! وبنى الكثيرون معظم الأحيان في الخيال، الدولة الاشتراكية أو القومية في هذه الدولة العربية أو تلك لإقامة هذه الدولة المطلوبة، ولكن لا يزال الشعور السائد لدى معظمنا أن هذه الدول كلها "مؤقتة"، وربما غير شرعية وغير مطلوبة، ولابد من إقامة دولة أقوى وأوسع على أنقاضها! ثقافة العنف والانقلاب والتغيير بالقوة وتجاوز القوانين، وبخاصة "الوضعية" منها و"المستوردة"، تدخل على البلدان العربية والإسلامية من هذا الباب، مستفيدة من سلبيات الأوضاع القائمة وسذاجة الجماهير. ثمة تيار واسع في العالم العربي والإسلامي، لا يكترث بالدولة وواقعها ومشكلاتها وحاجتها للتطوير والتنمية. هناك من يغفر لحمَلة رايات "المقاومة" و"الجهاد" و"النضال" وغيرها أن تفعل ما تفعل... وما علينا سوى الانصياع والطاعة. إنه تيار في غاية القوة والاتساع، وإن كان مثل جبل الثلج معظمه غائص في حياة العرب والمسلمين.. لا يُرى! إن العراق اليوم يئن، وكذا لبنان وفلسطين والصومال وأفغانستان وإذا سنحت الفرصة، فستلحق دول عربية وإسلامية أخرى بها. نحن جميعاً خرجنا عن جادة التقدم السياسي والاقتصادي وآثرنا التيه في قفار التجارب والمصالح الآنية والفساد والتعصب والمثاليات العقائدية.. حاضرنا مختطف، آتينا مسروق! ولهذا نحن في آخر الركب، ندفع الثمن!