يبذل الرئيس بوش قصارى جهده في سبيل ضمان إصلاح قوانين الهجرة المعمولة بها حالياً في بلاده. وضمن تلك الجهود، فهو يعمل الآن على إحياء تلك النسخة ثنائية الحزبية من القانون، الذي حظي بتأييد 62 صوتاً له في مجلس الشيوخ العام الماضي. غير أن مجرد مشاهدة هذه العملية الطويلة المعقدة المعذبة، كفيلة بدفع الإنسان العاقل إلى الصراخ والجنون. فالناس يواصلون اتهامهم للمهاجرين بجرائم عنف العصابات، وبقيادة السيارات الطائشة الخطيرة، تحت تأثير الكحول، وصولاً لاتهامهم بازدراء القانون العام. غير أنه ووفقاً لإحصاءات عام 2000، فإن إجمالي عدد المهاجرين إلى أميركا، لم يزد على خمس واحد من إجمالي تعداد السكان الأميركيين، اعتماداً على إحصاءات كريستين بوتشر من "الاحتياطيات الفيدرالية" وزميلتها "آن موريس"، من جامعة "فيل أوف روتجرس". ومما يوصف به المهاجرون، الكسل واللامبالاة. بيد أن إحصاءات ولاية كاليفورنيا لعام 2004، تشير إلى أن نسبة 94 في المئة من المهاجرين غير الشرعيين، الذين تراوحت أعمارهم بين 18-64 عاماً، يعدون بين القوى العاملة في الولاية، قياساً إلى نسبة 82 من المواطنين الأميركيين الأصليين. وخلافاً للصورة النمطية السائدة عن المهاجرين، فإن مجرد وصولهم بتلك الصفة إلى الولايات المتحدة الأميركية، يجعلهم من أكثر فئات المجتمع الأميركي حراكاً على الإطلاق. وهناك من يصف المهاجرين خلافاً لذلك، بأنهم يسرقون الفرص والوظائف من المواطنين الأصليين. غير أن الاقتصاديين مدوا حبال الصبر لعدة سنوات، وأوضحوا أنه ليس ثمة ما يدعم الحديث عن "عمالة إجمالية" في أي اقتصاد ما. والحقيقة أن وجود المهاجرين بحد ذاته، يتسبب في إنشاء وظائف جديدة، وبدلاً من أن تهاجر المصانع والصناعات الأميركية إلى خارج الحدود بسبب نقص العمالة الداخلية، فها نحن نراها تنشأ وتزدهر مرة أخرى في كل من ولايتي أريزونا وتكساس. وضمن ذلك، ألم يلاحظ أحد، أن ولاية كاليفورنيا، التي يعادل فيها المهاجرون ثلث الكثافة السكانية الإجمالية، هي الولاية الوحيدة التي تنخفض فيها نسبة البطالة إلى ما دون الـ5 في المئة؟! ومما يقال عن المهاجرين، إنهم يثقلون كاهل الخدمات الاجتماعية، بينما يتهربون عن دفع الضرائب ولا يسهمون في تمويل هذا القطاع الخدمي الحيوي. أما الحقيقة التي لا مراء فيها، فهي أن المهاجرين غير الشرعيين، محرومون في الأصل عن التمتع بمزايا الرعاية الاجتماعية، ومن بطاقات الغذاء وكذلك من المساعدات الطبية. وعلى رغم أنهم يستفيدون من خدمات الطوارئ الصحية في المستشفيات، وكذلك المدارس، إلا أنهم يلزمون بدفع ضرائب المبيعات وضريبة الدخل الشخصي، وغيرها. وعلى رغم صحة أن المهاجرين يكلفون كل أسرة أميركية أصلية، مبلغاً ضريبياً إضافياً سنوياً مقداره 200 دولار -وفقاً لنتائج الدراسة الاقتصادية التي أجريت على بيانات عام 1996- إلا أن علينا أن نأخذ في الاعتبار، في مقابل تلك التكلفة، حقيقة المساهمة الكبيرة للمهاجرين غير الشرعيين، في ارتفاع القيمة الإجمالية لدخل الفرد الأميركي قبل الخصم الضريبي، وبالتالي مساهمتهم في النمو الاقتصادي العام. وبذلك يمكن القول إن المهاجرين لا يكلفون المواطنين الأصليين سنتاً واحداً في واقع الأمر. تلك هي الحقيقة التي توصل إليها "جوردون هانسون"، أستاذ علم الاقتصاد بجامعة كاليفورنيا بسان دييجو. وفيما يقوله الناس عن المهاجرين، إنهم يتسببون في انخفاض وخسائر الأجور، حتى وإن لم يتسببوا في أية خسائر وظيفية. وهنا تتوفر حجج دامغة على هراء هذا الاتهام. فقد توصلت بعض الدراسات المتخصصة التي أجريت في هذا المجال، إلى أنه ليس هناك ما يدعم القول بأن للمهاجرين يداً في انخفاض الأجور. بل على العكس تماماً توصلت بعض الدراسات التي أجريت على معدل وجداول هبوط وصعود أجور الفاقد التربوي من طلاب المدارس الثانوية الأميركيين الأصليين، إلى حدوث انخفاض عام في أجور هؤلاء، بلغت نسبته 9 في المئة، بين الأعوام 1980-2000. وعزت الدراسات المشار إليها، السبب في هذا الانخفاض، إلى تأثير المهاجرين على سوق العمل الأميركي. وهنا تتكشف الحقيقة، وتنشأ الحجة الدامغة. فإذا سلمنا جدلاً بعملية هذه الدراسات، وبصحة ما توصلت إليه، فإن انخفاضاً بنسبة متدنية لا تزيد على 9 في المئة من أجور الفاقد التربوي من أبناء المواطنين الأميركيين الأصليين، لا تكفي لتبرير سياسات "الصقور" المعادين للهجرة في صفوف الإدارة الحالية وخارجها. وبفضل التشدد في تطبيق قوانين الهجرة خلال العام الماضي، فقد ساد الاعتقاد بانخفاض معدل الهجرة غير الشرعية من المكسيك بنسبة 25 في المئة في العام الماضي. ولنفترض أن المزيد من الإنفاق على هذه الإجراءات، قد أسفر عن تخفيض معدل هؤلاء من 400 ألف مهاجر غير شرعي سنوياً، إلى 200 ألف فحسب. فإن ذلك يعني إمكان حرمان مليوني مهاجر من هؤلاء، من الدخول إلى الولايات المتحدة خلال مدة قدرها عشر سنوات. وإذا ما أضفنا إلى ذلك الرقم، ترحيل مليون مهاجر آخر إلى المكسيك، وفقاً للإجراءات المتشددة المعمول بها حالياً، فإن ذلك يعني على صعيد سوق العمل، إمكانية خفض نسبة خسارة الـ9 في المئة في الدخل الشخصي لعمال الفاقد التربوي من أبناء المواطنين الأصليين، بمعدل قد يصل إلى نسبة 2 في المئة. ولكن هل تستحق هذه النسبة الضئيلة كل ذلك الجهد والأموال الباهظة التي تنفق عليها، في إجراءات حراسة الحدود والتشدد في تطبيق قوانين الهجرة؟ ومن هنا تجب معارضة سياسات "الصقور" هذه في مجملها. سباستيان مالابي ــــــــــــــــــ كاتب أميركي متخصص في الشؤون الاقتصادية ــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"