مما يؤهل المؤلف "بول هاوكن" لأن يكون من خيرة الشهود المعاصرين لنشأة كبرى الحركات الشعبية الناشطة في مجالات حماية البيئة والدفاع عن العدل الاجتماعي وحقوق الإنسان وغيرها من القضايا المماثلة في نهايات العقد الماضي، كونه صحفياً وناشطاً بيئياً هو نفسه. ومن رأيه أن حراكاً واسعاً لهذه المجموعات الناشطة، قد عمَّ العالم بأسره، وأن نفوذها يزداد قوة وتأثيراً يوماً بعد الآخر. وبما أن السمة الرئيسية لهذه الحركات والمنظمات، أنها بُنيت على أساس التدرج من القاعدة إلى القمة وليس العكس، فقد أتاحت لها هذه الصفة الإيجابية، قدرة هائلة على توحيد وتنسيق جهودها مع المنظمات الشبيهة في البلدان الأخرى، ما يؤهلها لأن تكون قوة اجتماعية وأخلاقية كبرى في مستقبل البشرية القريب. وفي كل ذلك ما يشير إلى نمو وعي بيئي وحقوقي واجتماعي جديد بالقضايا التي تتصدى لها هذه الحركات والمنظمات القاعدية. وعلى رغم أهميتها ودورها المتعاظمين، إلا أنها ظلت بعيدة عن أنظار الكثير من الساسة والصحفيين. وسواء كانت هذه المنظمات من ذلك النوع اللاربحي، الذي تبلغ ميزانيته مليار دولار، أم تألفت من بضعة أفراد فحسب، من الناشطين والمدافعين عن قضية معينة، فقد أصبحت تؤلف الحركة الأوسع والأقوى تأثيراً على وجه الأرض اليوم. ومما تتسم به هذه الحركة، أنها لا تحمل اسماً معيناً، وليس لها زعيم ولا مكان معين، وإنما هي موجودة، ويلحظ نشاطها ودورها في كل ضاحية ومدينة من ضواحي العالم ومدنه. وفضلاً عن ذلك، فإن تنظيمها القاعدي المتصاعد نحو الأعلى، يعطيها قدراً أكبر من المرونة والقدرة على التعبير المبتكر الخلاق، عن طاقات الشعوب وتلبية حاجاتها، على امتداد العالم بأسره. وبالصفة ذاتها، فهي تتعلم دروس وأساليب التنظيم من الشعوب نفسها، بقدر ما تلهمها وتستلهم منها طاقة الإبداع والخلق والفعل. ثم إنها تنظيمات تعطي الشعوب هذه ما لديها، أكثر مما تأخذه منها. ومن هنا فليس غريباً أن يكرس المؤلف مادة هذا الكتاب كلها، لدراسة واكتشاف التنوع الهائل لهذه الحركات والمنظمات، من حيث الأهداف والبرامج والرؤى، ومن حيث مستويات وأشكال التنظيم، وموارد التمويل، وتنوع النشاط. وضمن ذلك بالطبع، يدرس أفكارها واستراتيجياتها الخلاقة المبدعة، كل ذلك استناداً على خلفيتها التاريخية التي تعود إلى عدة قرون. وبعبارة واحدة، فإن من الممكن القول إن الهدف المحوري لهذا السفر، هو دراسة العبقرية البشرية الجماعية، وتأمل قدرة البشر غير المحدودة على إعادة تخيل وتشكيل علاقاتهم المستمرة مع البيئة ومع بعضهم بعضاً،على الصعيد الإنساني والسياسي والحقوقي والاجتماعي والثقافي في آن. وهناك من رأى في كتاب "هاوكن" نافذة أو كوة جديدة تطل منها البشرية على فضاءات الوعد الذي ينتظرها، وآفاق المستقبل التي يمكنها ارتيادها، فضلاً عن كونه عوناً لنا في تعزيز ثقتنا كشعوب بطاقاتنا وقدرتنا على الابتكار والعمل. ومما يحسب إيجاباً لصالح هذا الكتاب، تغطيته لمساحة تاريخية واسعة ممتدة، وإيجاده الصلة بين تجارب وأحداث وأشكال تنظيمية في هذا الضرب من النشاط، تبدو للوهلة الأولى غير مرتبطة البتة، ولا يجمع بينها جامع، وذلك بتحليل المؤلف لما هو جوهري ومشترك فيها، واستنباطه للنمط التنظيمي العام الذي ينتظمها ويوحد بينها جميعاً. وبهذا المعنى فقد كان طبيعياً أن يتسم النمط التنظيمي هذا الذي توصل إليه الكاتب، بقدر كبير من التعقيد والتشابك، على رغم بساطة التجارب المتفرقة التي اعتمد عليها. على أن الإنجاز الرئيسي لهذا الجهد التحليلي النظري، في تناول التجارب التنظيمية في مجال نشاط الجمعيات الشعبية، إنما يتمثل في نهاية الأمر، في وضوح الهدف والاتجاه الذي تنحوه البشرية كلها، في مسيرة كفاحها لطويل من أجل البقاء، وهي ترسم آفاقها ومستقبلها، في كل مرحلة من مراحل التاريخ وعصوره المتعاقبة. وهذا هو ما يجعل من الكتاب، سِفراً إرشادياً عاماً، يبقى لأحفاد أحفادنا، وهم يستخدمونه من أجل الحفاظ على كوكب الأرض، وللدفاع المستمر عن قيم العدل الاجتماعي، على نحو أفضل وأقوى مما ورثوه عن الأجداد. وفوق ذلك كله فإن مادة الكتاب، ليست بالمادة النظرية الجافة الخالية من الروح والحياة. فمن يقرأ الكتاب، يشعر بأنه يقطع رحلة شيّقة مثيرة عبر الزمان والمكان معاً. وتمتد بنا هذه الرحلة في مراحلها ومنعرجاتها المختلفة، من حكمة أجدادنا الأقدمين في تعاملهم مع البيئة والموارد الطبيعية والثروات، إلى حماقة ونهم وشره زماننا الحاضر. ويلتقط الكاتب صوراً قلمية موحية معبرة، تجمع بين ملايين الأسماك والحيتان النادرة النافقة، إلى الماكينات الصناعية وتلك الآليات العملاقة الشرهة، التي ألحقت بحياتها الموت والهلاك. هذا على صعيد الحياة الفطرية، أما على صعيد البشر، فتتألف تلك الصور من مجموعات بشرية، تحرص على حماية قيمة الحياة والدفاع عنها من جهة، وغِيلان بشرية في الدول المتقدمة لا يهمها شيء سوى الربح الفاحش وتنمية رؤوس الأموال على حساب كل شيء، على حساب الحياة والبشر معاً، في الجهة الأخرى. وتتشابك هنا بقوة عند الكاتب، خيوط العلاقة الوطيدة ما بين حماية البيئة والدفاع عنها، والحياة اللائقة بالإنسان وكرامته، وقيم العدالة الاجتماعية في أوسع مقاصدها ومعانيها. وبذلك فإن اللوحة الواسعة العامة التي يرسمها "هاوكن" بكتابه هذا، إنما تجسد مشهد نهوض البشرية وتعاونها وتكاتفها على الصعيد الدولي كله، من أجل تغيير العالم إلى ما هو أفضل وأرقى، وحماية الحياة على كوكب الأرض. وهذا ما يمنحه دفقاً كبيراً من الأمل والطموح نحو الأفضل والإنساني. عبد الجبار عبد الله الكتاب: الحراك الميمون المؤلف: بول هاوكن الناشر: مجموعة بنجوين للطباعة والنشر تاريخ النشر: 2007